أزمة المحروقات تحرق جميع القطاعات المهنية

شهدت أسعار المحروقات ارتفاعات متتالية لأربع مرات في شهر يونيو فقط، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة، دفعت العديد من المواطنين للجوء إلى النقل العمومي هروبا من مصاريف محطات البنزين، حيث يدور الحديث عن كون سوق المحروقات بالمغرب ستعرف زيادات أخرى خلال الشهر المقبل، مما يفرض على الحكومة التدخل لتسقيف الأسعار.

وعرفت مدينة الدار البيضاء خروج آلاف سائقي سيارات الأجرة في مسيرة احتجاجية، بسبب الأزمة التي تعرفها البلاد جراء تأثير أسعار المحروقات على الجانبين الاجتماعي والاقتصادي والتجاري، الشيء الذي زاد من معاناة السائقين المهنيين.

هيئات مهنية تخرج عن صمتها

Advertisements

تعيش الكثير من القطاعات المهنية في مختلف المجالات، سواء نقل السلع والبضائع، أو نقل المستخدمين أو النقل السياحي، ظروفا صعبة بسبب التكاليف الباهظة التي تتطلبها المحروقات بشكل يومي، مما يزيد من المصاريف التي تستنزفها أسعار المحروقات خلال الفترة الأخيرة، ويساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمواد الأخرى.

فالعديد من شرائح المجتمع تعاني من ارتفاع أسعار المحروقات، سواء المواطنين أو المهنيين، أو أصحاب المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب الأنشطة التجارية، الشيء الذي خلق موجة غضب كبيرة لدى العديد من الفئات بسبب صعوبة تحمل الأسعار المرتفعة التي تعرفها العديد من المواد بسبب ارتباطها بأسعار المحروقات.

في هذا السياق، قررت شركات نقل المستخدمين بمدينة طنجة، توقيف أنشطتها بسبب عدم قدرتها على تغطية المصاريف المالية جراء ارتفاع أسعار المحروقات وجميع المواد الميكانيكية وقطع الغيار، وفي ظل رفض الشركات المتعاقدة معها رفع أثمنة نقل العمال.

ودعت هذه الشركات الحكومة إلى التدخل بسرعة من أجل إنقاذها من الإفلاس، لكون الدعم الذي تتلقاه رمزي ولا يسد الخصاص والتكاليف المرتفعة، مشيرة إلى أن السبب يعود للارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بالإضافة إلى ارتفاع قطع غيار الحافلات الجديدة والمستعملة وبقية المواد المتعلقة بالصيانة.

وتعتزم الهيئات الممثلة في القطاع، الدخول في إضراب مفتوح عن العمل ابتداء يوم الإثنين 4 يوليوز الجاري، بالرغم من تخصيص الحكومة دعما ماديا رمزيا لشركات النقل قصد تدبير أمورها المالية واللوجستية، في انتظار توافقها مع الزبائن على أثمنة جديدة لكلفة النقل، إلا أن استمرار الزيادات في أسعار الغازوال أصبح معه ذلك الدعم لا يشكل إلا نسبة محدودة، أي 15 % من كلفة الزيادة التي أصبحت الشركات تؤديها، ما جعلها غير قادرة على الاستمرار في العمل بعد مرور ثلاثة أشهر، تؤكد الشركات، مشيرة إلى أن لجوئها للإضراب يعود بالأساس إلى رفض جمعيات المستثمرين بالمنطقة الصناعية ومعها الشركات المتعاقدة مع ناقلي العمال والمستخدمين، الزيادة في ثمن تكلفة النقل حتى تستطيع الشركات الاستمرار في العمل، الأمر الذي أوصل شركات النقل إلى وضع لم تعد فيه قادرة على تغطية أعبائها المالية، من أجرة الشغيلة وإصلاح الحافلات والتزود بالمحروقات اللازمة، خاصة وأن تكاليف الغازوال لوحده تشكل 80 في المائة من مصاريف الشركات.

بدورها، طالبت الفيدرالية الوطنية للنقل السياحي بالمغرب، الحكومة، بإيجاد حل عاجل لأزمة غلاء المحروقات والارتفاع المتواصل في أسعارها، ومراجعة قيمة الدعم الهزيلة المخصصة لقطاع النقل السياحي، وتسريع إيجاد حل للشركات والمركبات المقصية من الدعم بسبب المشاكل التقنية في المنصة.

ودفعت الأزمة أرباب شركات النقل السياحي للدخول في مواجهة مع شركات “فيفاليس” التي فرضت فوائد إضافية بخصوص الديون التي في ذمة المهنيين، حيث دعت الفيدرالية الحكومة إلى التدخل لحماية القانون وإجبار الشركة على احترام القرارات الرسمية.

وعبرت الفيدرالية الوطنية للنقل السياحي بالمغرب، عن رفضها المطلق لفرض فوائد عن تأخير سداد الديون لفترة الجائحة، ولكافة أشكال التلاعبات التي تحاول بعض شركات التمويل القيام بها لإجبار المقاولات على الأداء قبل الموعد المحدد في القرار الحكومي (1 يناير 2023)، وتحميلها الحكومة وبنك المغرب والقطاعات الوزارية المعنية، المسؤولية الكاملة في حماية مقاولات النقل السياحي من جشع بعض شركات التمويل.

موزعو الغاز مهددون بالإفلاس

أكدت النقابة الوطنية المهنية لموزعي ومستودعي الغاز بالمغرب، أنها متمسكة بالإضراب الوطني وغير معنية بقرار الجمعية المهنية لموزعي الغاز السائل بالجملة تعليق الإضراب.

وطالبت الهيئة النقابية بحقها في الحصول على مبالغ خدمات التوزيع من جميع الشركات في حدها الأدنى على الأقل لكي يستفيد الموزعون من هامش الربح، الذي لا تتحمله الحكومة ولا المواطن، بل الشركات لوحدها، معتبرة أن طلبها مشروع ولا يمس خزينة الدولة.

وكانت الجمعية المهنية لمستودعي وموزعي الغاز السائل بالجملة بالمغرب، قد أعلنت أنها ستخوض إضرابا وطنيا بسبب صعوبة الاستمرار في التوزيع عقب الزيادات المتتالية التي عرفتها المواد الطاقية، خاصة المحروقات، والتي قلصت هامش الربح بالنسبة للموزعين.

وأشارت إلى أن هذا المشكل سيؤدي بهم إلى الإفلاس، أمام انعدام الحلول للمشاكل التي يعرفها القطاع بالرغم من مراسلة جميع الجهات المعنية، والتي لم تتخذ الحلول الآنية.

وقالت الجمعية إن مهنيي القطاع متضررون من الزيادات في أسعار المحروقات، وكذا الغلاء الذي طال قطع الغيار والعجلات المطاطية وغيرها من التحملات الإضافية، التي أصبحت تثقل كاهل الموزع، خاصة وأن ثمن الغاز مقنن.

ضرورة ضبط أسعار المحروقات

وجه إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، مراسلة إلى الحكومة، يطالب فيها بإحداث لجنة اليقظة وتتبع أسعار المحروقات لضبط أسعارها والحد من تأثيرها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، محذرا من الاحتقان الشعبي الناتج عن الارتفاعات المتتالية لأسعار المحروقات خلال الفترة الأخيرة.

وقال السنتيسي في رسالته للحكومة، أنه “بعد إحداث لجنة اليقظة الاستراتيجية التي دبرت جائحة كورونا، واعتبارا لمسؤولية الحكومة في هذا الشأن، وتوخيا لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وحرصا على استمرارية المقاولات ودورها الاقتصادي والاجتماعي، فإننا نطالبكم في الفريق الحركي، بكل مسؤولية وبعيدا عن أية مزايدات، بإحداث لجنة لليقظة والتتبع على غرار العديد من الدول التي تدخلت لضبط أسعار المحروقات والحد من تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية”.

وأضاف السنتيسي أن “المواطن المغربي ومعه النسيج المقاولاتي، أضحى يكتوي بنار هذه الزيادات بشكل أصبح لا يطاق في ظل غياب أي مؤشرات في الأفق على تراجع هذه الأسعار، خاصة وأن العديد من السلع والخدمات وضمنها مواد البناء والمواد الغذائية وغيرها كثير، تأثرت بهذه الزيادات في الوقت الذي لا تلوح في المستقبل المنظور أي بوادر لانخفاض أسعار المحروقات”، وطالب الحكومة بتوضيح ما يتم تداوله بخصوص احتكار شركة لاستيراد البنزين، مما يطرح إشكالية الندرة والمضاربة، داعيا إلى تحمل المسؤولية واتخاذ إجراءات مستعجلة للحد من الزيادات المتتالية والكبيرة للمحروقات كباقي المواد الأخرى، لا سيما وأنه يتداول أن المحروقات قد تصل إلى ما بين 22 درهما إلى 25 درهما للتر، مما قد يؤثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى الصناعة والتجارة والفلاحة.

وسبق للسنتيسي أن اقترح على الحكومة تجميد الرسوم الجمركية على استيراد المحروقات ولو بشكل مؤقت في انتظار انتهاء أسباب الأزمة، وعودة المحروقات إلى أثمنتها العادية، على غرار ما قامت به بشأن استيراد زيوت المائدة والحبوب.

الحكومة تدعم قطاع النقل فقط !

كشفت وزارة النقل واللوجستيك أن الحكومة قررت رفع قيمة الدعم المقدم لمهنيي النقل الطرقي بنسبة 40 في المائة، في ما يخص الحصة الرابعة، وذلك للحد من الصعوبات التي يعاني منها أرباب الحافلات والشاحنات بسبب ارتفاع مصاريف استهلاك الوقود.

وأوضح بلاغ للوزارة أنه “في ظل استمرارية الظرفية الراهنة التي تتسم بارتفاع أسعار المحروقات، قررت الحكومة الرفع من قيمة الدعم المقدم لمهنيي النقل الطرقي بنسبة 40 في المائة في ما يخص الحصة الرابعة التي من المقرر تقديمها خلال شهر يوليوز”.

ويأتي قرار الحكومة بعد خروج أرباب النقل الطرقي ببلاغات تطالب بوضع حد للزيادات المستمرة في أسعار المحروقات، والتي كان لها أثر كبير على مردودية ومداخيل شركات النقل، سواء حافلات المسافرين أو الشاحنات، بالإضافة إلى أرباب سيارات الأجرة الكبيرة الذين بدورهم خرجوا في وقفات احتجاجية للمطالبة بالدعم.

ورغم الدعم الذي تخصصه الحكومة لقطاع النقل، إلا أن الملاحظ في الأسواق أن الأسعار تزداد بشكل مستمر، حسب عدد من التجار والمهنيين، بحيث أن الدعم المخصص لا ينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين الذين يصطدمون كل يوم بارتفاع ثمن العديد من المواد الأساسية.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.