أكفان بألوان الطّيف….

بقلم الكاتبة الروائية: زهرة عز

طنجة المكلومة تحضن جرحها وتستعيد الألم ،، وما تزال النّدوب محفورة بالذاكرة ،، فإلى أين المفرّ؟

تمنّيت أن تراجع قطرات الغيث ذاتها ،وتكفّ أذاها عن هشاشتنا وظلمنا . فالفساد والتسيّب يستغيثان بها حتى لا تعري عورتهما أكثر ، وقد أصبحت نزواتهما وجولاتهما ظاهرة للعيّان ،ورائحتهما الكريهة تدنّس الأجواء بما فيها المقدّسة ، فهل هناك أقدس من لقمة العيش المريرة ؟ وهل هناك أقدس من مشاعر أم مكلومة فقدت بناتها الأربع ؟انتظرت أن تخضّب يديها بالحنّاء وتملأ الدنيا زغاريد وفرح ليلة عرسهن وها هي الآن لم تجد سوى دموعها الحارقة وصرخاتها المكتومة لتدفن مرارة الفقد والصّدمة .،، وهل هناك أقدس من حيرة زوج محبّ وقف عاجزا أمام صرخات حبيبته المفزوعة قبل أن يخمد الضوء بأعينهما للأبد؟ ،،وهل هناك أقدس من ألم أخت ضاعت منها يد أخت غريقة واحساس مرير بالذنب انها نجت دونها ؟؟ حكايات أليمة تفتّت الصخر وراء فاجعة طنجة،،
صباح ممطر غائم كان هو ذلك الصباح الحزين ، أسدل ظلّه على الكون وأسقط العتمة من الضّوء.وهو يخترق الجدران المبلّلة أغرق أحلاما صغيرة استعصى عليها النموّ في وحل الفوضى واللامبالاة .

،، ولم يكن الشهداء لطيبتهم يعرفون أن الحياة نبضها الضّمائر.وعندما تتوارى الضمائر بجبن وراء المصالح والحسابات الضّيقة يأتي الموت ولو زاحفا على هيأة ثعبان مائي ليبتلع كلّ أحلامهم البسيطة وآمالهم،هذا الصباح الحزين تمادى الموت في تهكّمه، وساخرا دثّر الضحايا بأثواب خاطتها أياديهم النّحيلة ربّما ليخفّف عنهم صقيع الهلع والبغتة.،وربما كان بهم رحيما ،،وهم يخيطون ويقطّعون الأثواب ويخطّون مستقبلهم لم يعرفوا أنهم يكتبون نهاياتهم ويبدعون في رسم أكفان بألوان الطّيف.لو علموا الغيب لما أتووا لحتفهم!!

عبثُ خنق الأنفاس وأغرق الأحلام ً،جدرانُ احتضنت مواكب الصمت والسكون بعدما تهاوت كل مقاومة للنجاة واستلقت الأصوات المبحوحة متعبةً إلى جانب أجسادها محتضنة الخيبة والألم،، كلّ معنى للحياة سقط ذلك الصباح الحزين ،،

غابت الضّمائر فانعدمت الحياة ، وحين طفت الأحلام الموؤدة ، كان القبو المليء بالآهات والصرخات الميّتة قد أعلن نفسه مقبرة الشهداء،، جثتُ مكفّنة بألوان الطّيف تركت خلفها آثار اليأس والهلع حين نزفت الجدران المبلّلة بأنينهم ودموعهم وأظافرهم المبتورة وهم يحفرون الاسمنت بحثا عن فجوة نفاذ وأمل ،،
غادرت الارواح الطاهرة دنيانا وتركت خلفها غدا بلون الدّم وطعم اليأس،،

استفزّني وزير يعلن ان الضحايا أبناءه ولا يقبل بأي مزايدة !،، حتى في أبشع المواقف وأكثرها فظاعة تكشّر المصالح عن أنيابها الصفراء ،، فعن أي مزايدة يتحدث ؟ وهل كان ليرضى أن يشتغل أبناؤه في ظروف لاإنسانية وفي غياب أي حقوق يكفلها قانون الشغل ؟انتظرت أن يعلن استقالته بعزّة نفس وكرامة ومعه وزير الحقوق والإسكان ورئيس الجماعة وهلم جرّا،، ربّما لو تناول المسؤول عدم احترام الشروط الضرورية والقانونية للشغل وتحمّل مسؤوليته كاملة في الفاجعة وتطرق إلى وضع الاقتصاد الوطني بسبب شراسة المنافسة الدولية في قطاع النسيج وايضا ارتباط هذه المقاولات بالشركات العالمية التي تخضع لمنطق الربح بغض النظر عن الشروط الانسانية. لربما حظي ببعض الاحترام عوض الحديث بكلام لا يسمن ولا يغني من جوع .

كارثة بكل المقاييس، أغرقت معها كل مصداقية في الفعل السياسي وأقبرت وعودا كاذبة .

متى نمضي قدما ؟؟ ونتجاوز الظلام بثبات وأمل ؟
عزاؤنا واحد في مصابنا الجلل .
لأرواح شهداء العيش الكريم والخبز الحافي السلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *