الكتابة بمنطق “صباغة الحمير” توضيحات على هامش “سياسة عاشوراء” لكاتبها ادريس الكنبوري

إدريس عدار

من لا يعرف عبارة “صباغة الحمير” فهي تحيل على أسلوب ومنطق في التجارة. لما كنا صغارا كنا نعتقد أن هناك أناسا يقومون بطلي الحمير بألوان معينة. اختلطت علينا الحكايات بما كنا نراه من صور في الكتب المدرسية. لكن بعد حين سنفهم أن القصة مرتبطة فقط بتغيير اللوك عبر مقص “الدزارة”. يتم تغيير الشكل حتى يفقد صاحب الحمار القدرة على تمييزه عن باقي الحمير. وربما يبيعه بثمن ويشتريه بثمن آخر مرتفع دون إثارة الانتباه.

في الكتابة لا نعدم مثل هذا السلوك. أصبحت “صباغة الحمير” منطقا في النسج بين الكلمات وتكوين الجمل. هي الآن وسيلة للاستدلال. ربما تنتمي إلى سلالة المغالطات. لدى شوبنهاور كتيب صغير خارج مشروعه الفكري، كتيب في المنطق تحت عنوان “كيف تكون دائما على صواب”. جمع فيه 21 مغالطة إذا طبقتها فأنت على صواب تجاه محاوريك. لم يكن داعية للمغالطة وإنما أراد التحذير من المغالطين. وربما هؤلاء بذهائهم طبقوا كل ما أورده على سبيل التحذير.

بعد نشر مقالي “سياسة عاشوراء..مقالة في الاستغفال” قصد رد مزاعم إدريس الكنبوري فيما كتبه تحت عنوان “سياسة عاشوراء”. تفاعل معه بعض القراء، منهم من كتب تعليقات ظنا منه أنها مزعجة، ولكن لا شيء يزعج، بالعكس يساعد على تبيان كثير من الأمور. وظهر أن كثيرا ممن عارضوا الموضوع انطلى عليهم منطق “صباغة الحمير”.
إخفاء المصادر يتم وفق هذا المنطق، حيث يتم السطو على العنوان، لكن يتم تغيير الصياغة والترتيب حتى تبدو لك هذه الكتابة صناعة جديدة.

لست غافلا عمن يتظاهر بعدم المعرفة قصد طرح أسئلة “مسمومة”، ورغم ذلك أقول لأصحابها أنني أتجاوب معكم وأجيب عنها حتى لو أنني أعلم مسبقا أنها محاولات من المُغالط نفسه للنجاة من تهمة صباغة الحمير. هكذا يتساءلون حول موضع السرقة وهو شكل من المماحكة بسيط لا سيما وأننا أعلنا أنّ السمر مع تلك السرقات والكشف عنها سيطول فلا تستعجلون.

آخرون يعتبرون أن الموضوع لا يستحق وأن هناك أمورا مهمة ينبغي الكتابة عنها، وهي مغالطة أخرى للتقليل من خطر السرقات وكلها ضمن محاولات المغالط نفسه من منع هذا السمر حيث يريد الاستمرار في صباغة الحمير دون أن يلتفت إليه أحد في حركة استغفالية لا حدود لها. نعم هناك قضايا يومية تحتاج وتتطلب المعالجة النقدية، أكتب ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، لكن بأي معيار نحدد أهمية الموضوع؟ على الأقل متابعتي لموضوع إخفاء المصادر تعتبر من وجهة نظر كثيرين ذات أهمية لا يضاهيها أي موضوع آخر لأنها ضرب من الفساد يفوق فساد السياسة والاقتصاد، ومن لا يعنيه السرقات الأدبية فهذا يؤمن بالانحطاط. بل يدور نقاش في الغرب اليوم عن “التناص” هل يمكن إقحامه ضمن السرقات أم الإبداع؟

واحتراما للقارئ وصونا لذوقه لابد من الكشف عن أماكن المسروق ونوعه. وللأسف لم ينتبه “حارس التراث المادي” إلى سرقة “التراث المعنوي” فرفع التحدي لأكشف عن الأمر وإلا فأرمى بالإدعاء. أنا قلت في المقال السابق إن القضية إذا أردنا تحديدها بالتفصيل فسنكون في حاجة إلى جينالوجيا السرقة، فهي لا تقف عند واحد. وقد تطرقت إلى العشرات من النماذج. ولكن لا بأس من رفع التحدي.

قال الكنبوري:

القول بالوصية هو قول بالتحيز. الوصية إجهاز على الممارسة النبوية في الشورى، والأخطر من ذلك هي تدعيم وتزكية لولاية العهد في البيت الأموي حين تم انتزاع البيعة ليزيد كرها، حتى صارت شريعة. فهي إذن فكرة في خدمة الاستبداد، ولا أفهم كيف يحتج الشيعة على الاستبداد التاريخي باستخدام نص تاريخي هو تشريع للاستبداد. فكيف نوفق بين الوصية والانتخاب؟ بين الوصية والديمقراطية؟ بين الوصية والعقد الاجتماعي، إذا عقد اجتماعي هناك؟.
انتهى كلامه.

فضلا عن الحديث عن الإمامة بمنطق الاحتياز كما فعل طه عبد الرحمن في كتابه المرابطة وهو يضفي اصطلاحات جديدة عما أورده من سبقوه فإنّ الكنبوري يردد هذه العبارات نفسها من دون أن يحيلنا إلى أي مصدر كما لو ن العبارات والمصطلحات مجال مستباح لا توجد قواعد منظمة في التعامل مع المصادر. وفي ربطه الموضوع بالاستبداد وهو أيضا قديم قبل أن يكتشف صابغ الحمير مهارته، نقول: ورد مثل هذا الكلام حتى من داخل المجال نفسه، بل ورد في كتب رد الشبهات المكتوبة حديثا، نقف على نظير له في كتاب الإمامة لمحمد قردان قراملكي ففي الصفحة 111 من الطبعة الأولى نعثر على فقرة كاملة تحت عنوان: الشبهة العاشرة… عدم انسجام الإمامة مع الديمقراطية.
لكن هناك فقرة في كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين (طبعة هنداوي ص 865) فقد حذا حذوه متبعا منطق “صباغة الحمير”.

يقول أحمد أمين:

ظاهر أن عقيدة الشيعة على هذا المنوال تشل العقل، وتميت الفكر، وتعطي للخليفة أو الإمام سلطة لا حد لها، فيعمل ما يشاء، وليس لأحد أن يعترض عليه ولا لثائر أن يثور في وجهه ويدعي الظلم، لأن العدل هو ما فعله وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية الصحيحة التي تجعل الحكم للشعب.

فأقرأ ما كتب الكنبوري:

الغريب أن الفكر السياسي الشيعي المعاصر تطور بشكل ملحوظ بل تجاوز الفكر السياسي السني من حيث الجرأة والقدرة على زحزحة الثوابت، إلا الثوابت الرواسخ المتمثلة في السؤالات أعلاه. فهناك اليوم تفكير في الديمقراطية خارج ولاية الفقيه، وهناك ممارسة ديمقراطية داخل إيران، ومع ذلك لا يستطيع الشيعة إعادة النظر في ثابت غير ديمقراطي بتاتا وهو الوصية، وآخر معاد للديمقراطية من الأصل وهو آل البيت.

انتهى كلامه

ونجد له مثيلا أيضا عند أحمد أمين في الصفحة 860 حيث يقول:

أظن أن الزمن الذي أفهم الناس حقوقهم وواجباتهم، وحررهم مما يشل تفكيرهم يعدل بإخواننا الشيعة عن هذا النظر في الأئمة الذي لا يصلح إلا لأن يكون في التاريخ، على أنهم في حياتهم العملية سائرون على هذه الطريقة فعلا من إدخال الإصلاحات الاجتماعية والمجالس النيابية ومتابعة المدنية الغربية وهذا لا يتفق مع نظرية الإمامة.
أما حديثه عن البيتية والنسب العائلي فهي منقولة من كتاب أصول الدين لعبد القاهر الجرجاني.

هذه فقط نماذج وهنا الكثير.

هذا يبين أن حيرته، التي ادعاها، ليست فكرية ولكن ذات طبيعة اصطفافية، وهو كلام موجه للذين يستعجلون “أين سرق ومن أين؟”.. فمنطق “صباغة الحمير” لا يترك خلفه آثارا للسرقة، لكن من له ثقافة متوسطة سيدرك ان لا شيء جديد بالجملة فيما يسطره، وما يكتبه مجرد أفكار كتبت منذ قرون او عشرات السنين قبله ولكنه يقدمها كما لو كانت اكتشافا لأول مرة. وهرب في كل المجالات، ودخل على حين غرة إلى سوق خردة الحركات الإسلامية، ولما فشل فيها لعن الجميع وقال لم يكتب أحد شيئا يذكر سوى المرحوم فريد الأنصاري..وأجبته في مقال في هذا الموضوع لأنني اشتغلت على الموضوع منذ سنوات فيما كان الأنصاري يكتب بيان هروبه من الإخوان نحو الأوقاف.
إننا نعلم ان صابغ الحمير ليس بالضرورة سارق مباشرة لنصوص هؤلاء الكبار بل هو سارق من سراقهم ولكن فقط من باب التوثيق لأننا لا نستطيع ان نظفر بصباغ الحمير دائما متلبسا لكن آثار المسروق لا نخطؤها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *