الملاعب الرياضية : الساحات القديمة الجديدة للعنف

أصبح العنف في المغرب، ظاهرة متغلغلة تقريبًا في جميع مناحي الحياة اليومية للأفراد، وفي جميع المجالات، بما في ذلك الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وفي هذا الأخير، أي الفضاء الثقافي، وكما يجب أن ينظر للرياضة بإعتبارها نشاط ثقافي ترفيهي، مبدئيا، فقد أصبح العنف في السنوات الأخيرة يحتكر مساحة كبيرة، ويحتل حيزا هاما، خاصة عند أنصار أندية كرة القدم وفي الملاعب التي من المفترض أن تكون مسرحا فنيا، ثقافيا وترفيهيا لهذه اللعبة الشعبية.

هذه الظاهرة، يمكن إعتبارها ناتجة عن التطبيع المجتمعي مع العنف، إلى حد وصلنا معه إلى التشويش على تصورات الأفراد وممارساتهم، إلى درجة أصبحت معها السلوكيات العنيفة يوميًا، والتي يجب فهمها على أنها استثناءات -وخاضعة للرقابة الاجتماعية- وليست وسيلة صالحة لحل الخلافات، قلنا أن هذه السلوكيات العنيفة أصبحت سلوكات عادية، الأمر الذي يمكن تفسيره إنطلاقا من الإفراط في التطبيع والتسامح تجاه ظواهر معينة، خاصة مشاهد العنف التي أصبحت مألوفة على تطبيقات التواصل الإجتماعي عند بعض “المؤثرين” بكل ما للكلمة من مفهوم سلبي.

ومع ذلك ، يبدو أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتطبيع مع ظاهرة العنف، ولكن أيضًا في التحول في دينامياته كظاهرة إجتماعية ورياضية بإمتياز، فخلال بدايات القرن الحالي، كان العنف بالملاعب الرياضية ظاهرة نشاز وغير منظمة، وبطريقة ما، يبدو أنه وجد في الرياضة قناة للانتشار والتنظيم، خاصة في ملاعب كرة القدم، إذ أنها، تفسح المجال لمسرحة وتمثيل الظواهر والمشاكل الاجتماعية ، هكذا أصبحت المواجهات بين عشاق رياضة مثل كرة القدم بديلاً واضحًا وموازيا للعبة.

Advertisements

إن الديناميات الجديدة للعنف المتعلق بالتظاهرات الرياضية والمرتبط بها، أصبح يتمظهر في تلك الحروب بين فصائل الألتراس التي إنتشرت في الخمس سنوات الأخيرة داخل وبين المدن، وهكذا، وبالإضافة إلى تحديد الانقسام بين مؤيدي فريق وآخر في نفس المدينة، وكسر الروابط الاجتماعية والثقة بين المواطنين، تتفاقم أيضًا النزعات المجالية التي تقسم بين المدن والمناطق الجغرافية، وذلك كنتيجة لإضعاف الفكرة السياسية الكلاسيكية للهوية الوطنية، وبهذه الطريقة، تم نقل المواجهات والصراعات القبلية القديمة ( والمدفوعة بالقوالب النمطية والتعميمات والأحكام المسبقة) إلى ساحات ومعارك جديدة: إنها ساحات الرياضة والملاعب الرياضية.

وبذلك، فإن العنف بالملاعب الرياضية أصبح إشكالا مجتمعيا، يسائل السياسات العمومية والسياسة الحكومية، خاصة في ظل نفاذ الحيز الزمني للإستراتيجية الوطنية للرياضة، وغياب أي نقاش عمومي حول التوجهات العامة للرياضة وباقي الإشكالات المنبثقة عنها، بما في ذلك ظاهرة العنف، كما أن الأمر أيضا يسائل السياسات المجالية، والمجالس الترابية، هذا دون الحديث عن الفراغ المهول الذي أحدثته الأحزاب السياسية والمجتمع المدني إثر تخليهما عن أدوارهم التأطيرية للشباب، وبذلك فإن الأمر يسائلنا كمجتمع، ومن أجل الحد من العنف وإستئصاله، ما العمل؟

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.