الناسخ والمنسوخ في موقف طه عبد الرحمن من المقاومة

إدريس عدار

عند العرب قصة طريفة تتعلق بصناعة أصنام من الحلوة، يعبدونها بالنهار ويأكلونها بالليل، تشبع نهمهم الروحي صباحا وتسد جوعهم عندما تغرب الشمس. هذا ما تأكد لدي من أناس يصنعون أصناما في الفكر والمعرفة وغيرها، ويأكلونها عندما يجوعون. أعرف أحدهم كان يذكر طه عبد الرحمن أكثر من ذكره لنفسه. في كل مقالاته، المنقولة طبعا، بل يردد مصطلحات هذا الأخير بشكل إنشائي. ولما مال طه عن جزء من محور المازوت مال عنه وأصبح محرضا ضده. مرة كتبت عن مؤلف طه الموسوم ب”ثغور المرابطة” فانبرى أحدهم ليقول إنه لا يمكن لصحفي أن ينتقد فيلسوفا مجددا وشيخا للمناطقة، ولا أعرف كيف حكم عليه بالمشيخة وهو لا عهد له بالعلم الشرعي ولا هو شيخ طريقة؟ نعم يستكثرون على الصحفي أن يكون متفاعلا مع الأفكار لأنهم ألفوا صنفا من طينتهم، صحفي أمّي في غير مهنته، لكن كيف لي وأنا أيضا ابن الرياضيات حين ألاحظ هذا النوع من التصنيم المنطقي لرجل أكثر في مغالطاته.

كتبت أخيرا مقالة تحت عنوان “المقاومة الطهائية في حدود الأخونة…كتاب المرابطة ل”فيلسوف التيمية” طه عبد الرحمن نسف وتبخيس للمقاومة بنفس طائفي”. وهو منشور في بعض المواقع الرقمية. أول اعتراض كان من جنس الاعتراض الأول صادر عن أحد عبدة الصنم. وبعض أشكال الإيمان أن تكون حرا. إذا أردت أن تكون عبدا فهذا شأنك. ولا اخفي ايضا أن هؤلاء الذين يريدون التسلق بالدفاع عن طه عبد الرحمن هم خارج التغطية أصلا ويثيرون عليه المشاكل ثم يخنسوا، مع انني أميز بين تلامذته وأنصاره المحترفين من امثال عباس رحيلة واضرابه وبين من هم في الزفة كالأطرش. ومن حقي أيضا انا السياسي المتابع للأحداث والمحلل لها بشكل يومي أن اعلق على كتاب المرابطة حيث مادته الأولى سياسية ومعطياته صحفية، وما التفلسف في المرابطة إلاّ خدعة ولعبة ألفاظ. هناك من لا يميز بين العلم والجدل التافه، ويعتقدون أن حشرك في أسئلة مكررة حتى قبل أن تجيب وكيف تجيب هو انتصار كما لو أنه صراع الديكة، إنها التفاهة حتى في عبادة الأصنام.

الاستشكال المطروح من قبل العبدة هو أن كتابات طه أو فكره تستعصي على الفهم وينبغي أن تكون في مستوى كذا وكذا حتى تكتب عنه. ولما نسأل ما المقصود من هذه الشروط المغالطة ينسون الموضوع ويتحدثون عن مظاهر يتفوق عليه فيها الكثيرون كاللغات والخبرة الفلسفية والتجارب، لهذا هو يلوذ بالجماعات الاخوانية لينتزع عن طريق الغوغائية قيمة يناهض بها أبناء الدرس الفلسفي باستعمال تهم أيديولوجية وتوظيف جروان لا تفقه في الاستدلال سوى النباح. وهذا الكلام صادر عن أشخاص يزعمون أنهم في زمرة المثقفين. نحن هنا أما حالة من إثنين لا ثالث لهما: إما أن طه عبد الرحمن يكتب طلاسيم إما أن القائل “سوبير مسطول”.

إذا انتقدت طه فأنت مريض كما يوحي المرضى حقيقة. كثيرون انتقدوا طه وأغلظوا في حقه القول. وهو نفسه لا يوفر أحدا بل ينتقد الجميع ويغلظ القول في ذلك. العروي، مفكر كبير، انتقد طه وبأسلوب فيه احتقار. والمرحوم عابد الجابري لما سئل عما قاله في حقه قال “الأخ طه لم يفهم ما قلت”.. فهل هؤلاء كلهم مرضى؟
المريض هو من يعتقد أن طه يكتب أشياء لا يمكن فهمها. وحتى لو سمح لنا بالفهم ينبغي قبل أن نكتب عنه أن نتوفر على مجموعة شروط. واحد اشترط إتقان مجموعة من العلوم قبل ذلك. حددها بدقة ناسيا أن الحصر هو عملية منطقية. لماذا حصرتها في خمسة وليس ستة أو أربعة؟ طه نفسه يعمد إلى مجموعة من التفريعات لما تعرضها على منهجه تجد أن الحصر عنده مجرد ادعاء إذ يمكن أن تضيف قضايا أخرى من داخل منهجه.

إذا كان يكتب لمثقفين فينبغي أن تكون كتاباته مفهومة. لقد تفاعلنا مع أفكار من هم أكبر من طه وفهمناها. كيف يمكن أن تكون مثقفا إذا لم تكن قادرا على خلق علاقة بالفكرة؟ المثقف هو من يصنع هذه العلاقة ويحدد تصورا من الفكرة.

لكن هناك صنف من “المسطولين” حقا لا يفهمون. منهم من دعا إلى تبني المشروع الفكري للجابري والمشروع الفكري لطه. وهما نقيضان. محششون دون ربيع.
ولنذهب بالتحدي بعيدا. لنفترض أن أفكار طه عصية على الفهم. فالمقال لا يتعلق أصلا بالفكرة وإنما بالموقف. وإذا كنتم غير قادرين على التمييز بين المواقف فما علاقتكم بالفكر والمعرفة أصلا؟ من محددات الموقف أن يكون واضحا وإذا دخله اللبس فإن صاحبه يريده كذلك حتى يمر وسط الناس دون انتباه.

ونحن نرد على من وصف طه بفيلسوف المقاومة فر إلى رأس الجبل ينزو كأروى أو يتسلل بقناع افتراضي عبر التشويش بغباء. اعتمدنا في ردنا على كتاب طه “ثغور المرابطة” فأخرج لنا الفار كتاب “الحداثة والمقاومة”. هنا نكون أمام شخص أو أشخاص لا علاقة لهم بتاريخ الأفكار. فنحن لسنا أمام كاتب رحل عن دنيا الناس. نحن بصدد أفكار ومواقف رجل ما زال يعيش بيننا ويكتب ويصدر المواقف. بين الكتابين حوالي 14 سنة. في الأول يمدح المقاومة وفي الثاني يقوم بتبخيس عملها.

الأول جاء عقب انتصار تموز التاريخي سنة 2006. والمضحك أن الفار إلى رأس الجبل لا يعرف أن الجميع كان في هذا الوقت متمدحا بالمقاومة. يوسف القرضاوي، الرئيس السابق للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، كان يمدح المقاومة ومن يساند المقاومة. القرضاوي نفسه هو أول من وصف حزب الله بحزب اللات. بمجرد أن أصبحت المقاومة في طريق إفشال المشروع الذي ينخرط فيه. وكان في زيارة سنة 2009 إلى سوريا ومدح الأسد بطريقة أخجلت السوريين أنفسهم وهو من دعا أمريكا إلى التدخل لإسقاطه.

موقف طه لا يخرج عن هذا السياق. جاء في وقت كان الجميع يقول الكلام نفسه. وبما أن الحديث لا يمثل قناعات عند القوم فكلهم أصدروا كلاما ناسخا. من يمدح طه ما عليه سوى مدح القرضاوي. ما الفرق بينهما؟ ومن يمدح القرضاوي ما عليه سوى أن يكون مع الجماعات الإرهابية ويعلن عداءه لمحور المقاومة.

ولا يمكن الحديث عن المقاومة خارج المنطق. مقاومة طه هي خارج المنطق رغم أنه يدعي أن كتابه يدخل ضمن الجهاد المنطقي. وهذه ممارسة عند “الإخوان المسلمين”. مع المقاومة عندما تكون اسمها حماس. ناسين أن هذه الأخيرة حاولت الهروب فلم تستطع. واستنقذتها جهود محور المقاومة من السقوط في المحور المازوتي. لا يعرف البلهاء أنه لم يبق من حماس، التي باعت خبرة محور المقاومة لجبهة النصرة بالقصير، إلا بضعة أشخاص. واليوم نحن أمام حماس مختلفة. حماس التي تعتبر نفسها جزءا من المحور ولا قيمة لها دونه.
يذكرنا هذا بموقف “رأس السطل” من قيادات التوحيد والإصلاح الذي وصف الشهيد سليماني بأنه “جنرال دموي” بينما هنية يسميه شهيد القدس. أي منطق هذا تحتكمون إليه؟
مع المرابطة الفلسطينية. المرابطة الفلسطينية لا تعني شيئا دون محور المقاومة. يكتب طه كتابا كاملا ضد هذا المحور أو ضد مكونه الأساسي. هل توجد معادلة تقبل ذلك؟ مع حماس وضد حزب الله وضد محور المقاومة وحماس نفسها تعترف أن كل خبراتها قادمة من هذا المحور.

لا يمكن الفصل بتاتا بين عناصر محور المقاومة وإلا لا يمكن الحديث أصلا عن مرابطة مقدسية.

اتهم المحور بالخذلان، “فبعد أن كان مطلوبا أن يكون نصيرا للحق صار من المقبول أن يكون خاذلا” ص 79 من كتاب المرابطة، ويعتبر القدرة والاقتدار لدى محور المقاومة مجرد اغترار (ص 94) وفي الصفحة 120 ينفي صفة التخلق عن محور المقاومة وفي حديثه عن الاقتتال الداخلي العربي قال “لما كان تكوينهم الثقافي بهذا التشتت الفاحش، لزم أن تكون مواقفهم من الفتنة القابلية، هي كذلك، شتى، فهناك الميؤدون للقتل باسم الدين، وهما فئتان كبيرتان إحداهما تؤيد القتل بحجة دخوله في باب الجهاد، والثانية تؤيده بحجة دفع الفتنة، وهنا المؤيدون للقتل باسم الدولة، بحجة حفظ الأمن والاستقرار. ص 194
عندما تحتج علينا من رأس الجبل بكتاب “الحداثة والمقاومة” قلنا إنك لا تعرف شيئا في تاريخ الأفكار وأنت تتعامل مع رجل ما زال بالروح، لكن لما تعتبره فيلسوفا للمقاومة بناء على كتابات من بينها “ثغور المرابطة” فهذه مغالطة كبيرة.

وكل هذا المجهود الذي رأيناه على سبيل اقتدار المقاومة وتقديرها على مواجهة العدو هي في عرف “فيلسوف التيمية” مجرد فتنة “قابلية – نسبة إلى قابيل” تسبب فيها التزاحم على الحيازة.

فعلى امتداد عشرات الصفحات يجعل من ساند المقاومة ووقف جنبها ودعمها بالمال والسلاح وعانى من أجل ذلك كمن تآمر على المقاومة وما زال يتآمر عليها في كل مكان. ويجعل الذين جاؤوا من كل مكان للقتال في سوريا وقتل أهلها كمن جاؤوا للدفاع عنها.

وأستغرب لمن يزعم أنه يساند محور المقاومة كيف لا ينتبه إلى أن كتاب المرابطة كتب بنفس طائفي لتبخيس المقاومة وجعلها نظير الجماعات التكفيرية. كتاب لو أزلت عنه توابل اللغة والتفريعات لأشبه كتاب محب الدين الخطيب “دين الشيعة” أو كتاب زين العابدين سرور “وجاء دورالمجوس”.

طه عبد الرحمن جعل محور الشر العربي الداعم للإرهابيين والتكفيريين في نفس الكفة مع محور المقاومة، لكنه استثنى طبعا قطر، حيث تم طبع كتابه على حساب أحد المراكز التابع لها.

هذا باختصار الجواب على المهاترات وقلّة العلم والوعي وكثرة الإدعاء والمبالغة في التصنيم، إن المضحك المبكي هو تكرار عبدة الأصنام عبارات بعيدة عن الموضوع ومصرون على تجاهل العبارات التي تعكس ازدراء طه عبد الرحمن بمحور المقاومة وذلك لأنهم لم يقرؤوه حتى لا أقول لم يفهموه، وهكذا ميعوا النقاش الجدي وحولوه الى مهاترات وإنشاء تافه وتصفية حساب بطريقة بليدة مفضوحة أمام من يقرأ العبارات وسياقاتها ويحلل القول وقائله.

للمرة ليس الأخيرة نصادف التفاهة وتكرار ما هو منقول ومردد، ففي كل مقالة نقدم الدليل ولكن من يعترض بتكرار الإنشاءات التافهة لا يقدم دليلا غير التنفيس على الأحقاد وتوظيف اللغة الأخلاقوية كما يفعل طه وتقليدا له لقمع من يسعى لانتقاده وهو أسلوب غير أخلاقي أصلا أن نخلط بين واجب النقد والأخلاق، وكلما كثرت شروط من يتهربون بأن النقد عليه أن يكون غير جارح وهو كذلك فما هي طريقة طه في نقد خصومه سوى تسفيههم والتطاول عليهم. أكرر هنا أنني أشعر فعلا بالغيرة على طه ليس من نقاده الفعليين والحقيقيين الذين لهم رسوخ في ميدان العلم والفكر والنقد ولكنني أغار عليه من تسلق النكرات والسفهاء والمتسلقين الذين يستعملون إسمه لكي يدخلوا إلى “لافوار” بعد أن فشلوا في طرق جميع الأبواب ونبحت عليهم كلاب الحوأب….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *