تاريخ تزوير الجزائر لمحاضر “الاتحاد الإفريقي” ضد المغرب

بدأت أول الحروب والهجمات الإعلامية الجزائرية على المغرب، بعد أقل من عام على استقلال الجزائر، وذلك نتيجة خلافات حول الحدود بين المملكة وجارتها الشرقية، فبعدما قام الملك الحسن الثاني بأول زيارة إلى الجزائر يوم 13 مارس 1963، ذكّر نظيره الجزائري أحمد بن بلة بالاتفاق الموقع بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة المغربية سنة 1961، بشأن وضع الحدود بين البلدين والتي خلقها الاستعمار الفرنسي، ولم يتنكر الرئيس بن بلة للاتفاق، وطلب من نظيره الملك الحسن الثاني، تأجيل مناقشة الأمر إلى حين استكمال بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

وبعد انتهاء الزيارة الملكية مباشرة، اندلعت بشكل مفاجئ حرب إعلامية بين البلدين، حيث صرحت الجزائر أن المغرب لديه أطماع توسعية في المنطقة، فيما رأى المغرب في الاتهامات الجزائرية المدعومة إعلاميا من طرف مصر الناصرية، عناصر قلق تهدد وحدة البلاد، وقد رفض حزب الاستقلال موقف النظام الجزائري والحملة الإعلامية الجزائرية المصرية على المغرب، ونشر خارطة للمغرب الكبير في جريدة “العلم”.

غير أن الأمر تطور أكثر بعدما بدأت الجزائر تقوم بحملة إعلامية أضخم، ليس فقط عن طريق جرائدها، بل إن الأمر تطور إلى توجيه الرئيس الجزائري اتهامات مباشرة للمغرب خلال خطاباته الرسمية، كما شن الراديو الجزائري هجمات على المغرب، وتطورت بعد ذلك الأحداث حتى وقعت المناوشات بين الجيشين الجزائري والمغربي على الحدود وحدث ما يعرف بحرب “الرمال”.

اختار المغرب الرد على حملات الإعلام الجزائري بطريقة فريدة، تمثلت في أن يتكلف أعلى سلطة في البلاد بالرد بنفسه، عندما عقد ندوة صحفية ببلدية مراكش أمام جمع من الصحفيين والمراسلين الدوليين يوم 24 أكتوبر 1963، حيث أوضح الملك الحسن الثاني، خلال الندوة الصحفية، أن أسلوب بن بلة المتمثل في استعمال الإعلام، أسلوب خطير وغير معروف في شمال إفريقيا، وقال في هذا الصدد: ((أقول فقط لرئيس الجمهورية الجزائرية بأنه ينبغي أن ينتبه كثيرا، لأنه يعمل ليدخل إلى الشمال الإفريقي جرثومة وأساليب وقانا الله من شرورها إلى الآن، ونعني بها الأكاذيب والحرب البسيكولوجية وخط التهريج والسباب والادعاءات والاتهامات، وقصارى القول، فإنها أساليب لا يمكن أن تكون من أساليب شمال إفريقيا، الذين اشتهروا دائما بمزايا البطولة (باعتبارها أساليب لا توصف بمعالم الرجولة الحقة))).

رد الملك الحسن الثاني على اتهام الجزائر للمغرب بمحاولة التدخل في شؤونها الداخلية

كان رد الملك على هذه التهمة قويا، من خلال استعراض مجموعة من الحجج والبراهين، حيث أكد الحسن الثاني أن المغرب كان من أوائل الدول في العالم التي كانت سباقة للاعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وذلك خلال اجتماع وزاري ترأسه الملك محمد الخامس رغم أن المملكة كانت تربطها بفرنسا علاقات دبلوماسية، وكان على المغرب الاختيار بين الاعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة أو توطيد علاقاته الدبلوماسية مع فرنسا، إلا أنه اختار علاقاته الأخوية وترك مصالحه المباشرة.

وذكّر بأن رسالة اعتراف المغرب بالحكومة الجزائرية المؤقتة، موجودة بوثائق وزارة الخارجية المغربية، حيث تشتمل كذلك على أن الحكومة الجزائرية تلتزم بعدم المساس بشكل مباشر أو غير مباشر بمصالح وحقوق المغرب في أراضيه التي يطالب بها.

أما بخصوص مشكل الحدود، فقد صرح أنه كان في استطاعة المغرب حل المشكل مع فرنسا، وذلك عندما عرضت الحكومة الفرنسية على الحكومة المغربية بواسطة سفيرها حينذاك، أليكسندر بارودي، تصفية مشكل الحدود بين المغرب وفرنسا بما في ذلك مدينة تندوف، إلا أن رد المغرب على لسان الملك محمد الخامس، اعتبر أن أي اتفاق مغربي فرنسي حول الحدود سيعتبر طعنة في ظهر الجزائر، وفي المقابل، أكد أن المغرب يفضل الانتظار حتى استقلال الجزائر للتفاهم حول مشكلة الحدود.

إجابة الملك عن سؤال راديو الجزائر “كيف أن المغرب بدلا من أن يساعد الجزائر خلال حربها مع فرنسا على تحرير أراضيها أخذ الآن يطالب باقتطاع أجزاء منها؟

أكد الملك الحسن الثاني أمام الصحفيين الحاضرين في المؤتمر، أنه تأثر بشدة عندما كان الإعلام الجزائري يقوم بحملة على المغرب، حيث طرح الراديو الجزائري السؤال التالي: “كيف أن المغرب بدلا من أن يساعد الجزائر خلال حربها مع فرنسا على تحرير أراضيها أخذ الآن يطالب باقتطاع أجزاء منها؟”، وهو بذلك يتنكر للدعم المغربي للثور

ة الجزائرية، وطلب من الملك الحسن الثاني الإجابة عنه.

وخصص الملك الراحل حيزا هاما من المؤتمر الصحفي للرد عن هذا السؤال، واستعرض العديد من الوقائع التاريخية التي تبطل الدعاية القائلة إن المغرب لم يقدم الدعم للجزائر، وأضاف أنه ليس في وسعه استعراض الدعم المغربي للثورة الجزائرية من 1956 إلى 1962، وفي المقابل، أكد أنه سيقتصر على الحديث عن الدعم المغربي بعد تعثر مفاوضات “إيفيان” يوم 13 يونيو 1961 بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة الفرنسية.

وأوضح العاهل المغربي أنه خلال المفاوضات السرية الفرنسية الجزائرية بإيفان، كانت الحكومة الجزائرية في حاجة لتسليح جيشها، والتجأت إلى المغرب تناشده من أجل ذلك، استعرض الملك بعضا من الدعم الذي قدمه للجزائر، وأكد أنه رغم المشاكل المتعددة التي كانت تواجه المملكة كمشكلة جلاء القواعد الأمريكية والفرنسية، إلا أن الحكومة المغربية نقلت إلى الجزائر كميات كبيرة هامة من الأسلحة الروسية، تم تركيبها في القاعدة العسكرية المغربية بمكناس.

وعندما تعثرت مفاوضات “إيفيان”، بسبب سعي الجانب الفرنسي لفرض شروط اتفاق غير مقبولة على الجزائريين، وعلى رأسها فصل الصحراء عن الجزائر بعد اكتشاف البترول بها عام 1956، صرح الملك أن الحكومة الجزائرية أخطرت الحكومة المغربية بأنها في حاجة إلى مساندة غير مشروطة على اعتبار أن القضية أصبحت قضية تقسيم الجزائر، وأنه على الحكومة المغربية أن تعرب عن معارضتها لهذا التقسيم، فكان موقف المغرب من الأمر هو ما جاء على لسان الملك في المؤتمر الصحفي: ((قلت لأعضاء الحكومة الجزائرية، أن هناك احتمالين للخروج من المأزق، إما أن نبادر إلى إنشاء اتحاد جزائري مغربي نضع أساسه في الحال، وإما أن نضع اتفاقا يقوم على أساس تأييد المغرب للكيان الجزائري شريطة ألا يتخلى المغرب بصورة ضمنية أو مكشوفة أو جزئية أو بصورة كاملة عن مطالبه وحقوقه في المناطق التي سلبت منه)).

وعلى هذا الأساس، كلف الملك اثنين من وزرائه، هما علال الفاسي وزير الشؤون الإسلامية، والدكتور الخطيب وزير الدولة المكلف بالشؤون الإفريقية، لأن يجتمعا مع أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة ويخبروهم أنه إذا كانوا يعتقدون أن عملا عسكريا يتعاون فيه المغرب والجزائر من شأنه أن يساعد الجزائر على تحرير أراضيها فعلى الجزائريين أن يعينوا القطاع الذي يتولى الجيش المغربي العمل فيه، وأكدا لهم أن المساعدة لا تقتصر على تقديم السلاح بل الرجال والعتاد، فكان رد الجزائريين أن تقتصر المساعدة المغربية على السلاح فقط.

وأضاف الملك أنه لم يكن من حل أمام المغرب سوى إبرام “الاتفاقية المغربية الجزائرية بشأن الحدود” الموقعة يوم 6 يوليوز 1961، والتي جاء فيها: ((تؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب، مرة أخرى، مساندتها المطلقة للشعب الجزائري في معركته لنيل استقلاله، ووحدته الوطنية، وتعلن تأييدها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساس وحدة التراب الجزائري، وأن حكومة صاحب الجلالة تعارض بكل قوة كل محاولة لتقسيم أو اقتطاع أجزاء من التراب الجزائري)).

كما ورد فيها أيضا: ((.. والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، تعترف من جهتها أن مشكلة الأراضي التي أقرت فرنسا حدودها بصفة جائرة، سيتوصل إلى حل بشأنها بواسطة المفاوضات بين حكومة المملكة المغربية والحكومة الجزائرية، عندما تحصل الجزائر على استقلالها، ولهذا تؤكد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من جديد، أن أي اتفاقيات يمكن أن تبرم عقب مفاوضات فرنسا والجزائر، يجب ألا تتعارض مع مصالح المغرب فيما يتعلق بتحديد الأراضي المغربية الجزائرية)).

وأكد الحسن الثاني خلال المؤتمر الصحفي، أن بن بلة وافق على هذه الاتفاقية، وأعلن بعد تنصيبه رئيسا للجزائر، أن يحترم جميع الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة الجزائرية، غير أنه عندما سأله أحد الصحفيين عن “الاتفاقية المغربية الجزائرية بشأن الحدود”، أنكر علمه بها.

تهمة دعم المغرب لحركة انفصالية بالجزائر

شهدت الجزائر في شهر شتنبر 1963، انفجار حركة انفصالية بمنطقة القبائل، فوجهت الحكومة الجزائرية التهمة علانية للمغرب بالوقوف وراء هذه الحركة الانفصالية، وركزت في دعايتها على عنصرين: أولا، أن كريم بلقاسم، قائد الحركة الانفصالية بالقبائل، فر إلى طنجة، وثانيا، أن القوات المغربية تحركت على طول الحدود المغربية الجزائرية بالتزامن مع اندلاع الحركة الانفصالية في القبائل.

لم يفوت الملك الحسن الثاني الفرصة خلال المؤتمر الصحفي للرد عن هذه الدعاية، فبخصوص حضور كريم بلقاسم إلى طنجة، قال الملك الراحل أن المغرب لم يغلق أبوابه في وجه أي كان من اللاجئين، واستقبل المغرب كريم بلقاسم بصفته وزيرا سابقا، وأوضح الملك، أنه في الوقت الذي كان فيه الرئيس الجزائري بن بلة، يقوم بحملة إعلامية على المغرب بكونه يدعم الانفصال في القبائل والدليل بالنسبة إليه هو استضافة زعيم الحركة كريم بلقاسم، كانت الوقائع تكشف تزييف الحقائق من الجانب الجزائري، ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه الإعلام الجزائري يقول إن كريم بلقاسم يقيم في طنجة ويقود الحركة الانفصالية من هناك، فإن هذا الأخير كان يوجد في سويسرا، بل إنه أثناء الحملة الإعلامية، تسلم بلقاسم الذي استقر في سويسرا، أمرا من طرف رئيس الحكومة السويسرية يحرم عليه مزاولة أي نشاط سياسي.

أما بخصوص ادعاءات الإعلام الرسمي الجزائري بأن المغرب كان يحشد قواته على طول الحدود الجزائرية من أجل دعم الحركة الانفصالية، فقد رد الملك على ذلك بالقول: ((إن المغرب كان مقسما من الناحية العسكرية إلى مناطق عسكرية، وأخد قراره بإبدال المناطق العسكرية بمناطق جغرافية قصد ضبط التجهيز العسكري لكل منطقة، وعلى هذا الأساس قسم المغرب إلى ثلاثة مناطق: المنطقة الساحلية، المنطقة الجبلية، والمنطقة الصحراوية، وعندما رأى الرئيس الجزائري إعادة انتشار القوات المغربية على أساس مناطق جغرافية، اعتبرها حشدا للقوات المغربية على الحدود الجزائرية)).

الملك محمد الخامس ونجله الأمير مولاي الحسن قدموا لفرنسا الطائرة التي كانت تقل الزعماء الجزائريين

تعود وقائع هذه الحادثة، إلى 22 أكتوبر 1956، حينما استولى الجيش الفرنسي على طائرة للخطوط الملكية المغربية كانت متوجهة من الرباط إلى تونس، تقل على متنها خمسة من قادة جبهة التحرير ضمنهم أحمد بن بلة، وقام أفراد أجهزة المخابرات الفرنسية بتغيير مسارها إلى العاصمة الجزائر، ليتم اعتقال القادة الخمسة.

وأثناء الحملة الإعلامية التي شنها الإعلام الرسمي الجزائري على المغرب، تم توجيه التهمة إلى الملك الراحل محمد الخامس، بأنه تواطأ مع فرنسا وأهداها الزعماء الخمسة، وهو ما اعتبر تزويرا للتاريخ، وقد تحدث الملك الحسن الثاني عن هذا الادعاء الفارغ والتدليس الإعلامي، حيث أوضح أنه كيف يمكن تصديق هذه الخرافة والمغرب هو من أدى ثمن اختطاف الطائرة غاليا، ذلك أنه بعد انتشار خبر احتجاز الطائرة التي كانت تقل الزعماء الخمسة، وقعت ثورة في مكناس، هاجم خلالها سكان مكناس المعمرين الفرنسيين وقتلوهم انتقاما للزعماء الجزائريين، ونتيجة لذلك، تدخل الجيش الفرنسي بقوة وقتل المئات من أهالي مكناس.

تأزمت العلاقات المغربية الفرنسية بسبب هذه الحادثة مدة تسعة أشهر، وفرت رؤوس الأموال الفرنسية من المغرب، وأضاف الحسن الثاني، أن الملك محمد الخامس هو الوحيد في العالم الذي اهتم لأمر بن بلة عندما بقي في السجون الفرنسية مدة ثلاث سنوات، عندما أوفد له ثلاثة وزراء لزيارته إلى السجن قصد إثارة الرأي العام الدولي إلى قضيته.

استمرت الحملة الإعلامية الجزائرية على المغرب إلى أن انعقد مؤتمر “باماكو” بمالي بين 29 و30 أكتوبر 1963، لتسوية الخلاف المغربي الجزائري بشأن الحدود، وكان من بين أهم ما تقرر خلاله “توقيف الجزائر والمغرب لحملتهما الإذاعية والصحفية ابتداء من منتصف ليلة فاتح نونبر 1963”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *