تسجيل صوتي مسرب يهز الجسم القضائي

بعد أسبوع من اعتقال رئيس غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف ببني ملال على خلفية تورطه في قضية ابتزاز ورشوة، اهتز الجسم القضائي على وقع تسريب مكالمة هاتفية بين رئيسة غرفة بمحكمة النقض وقاضيين بغرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، تتعلق بالتدخل في ملف معروض على المحكمة.

وحسب مضمون المكالمة التي اطلعت عليها «الأخبار»، فإنها تدور بين رئيسة غرفة بمحكمة النقض، سبق لها أن شغلت منصب عضو بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبين قاضيين أحدهما رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء والثاني رئيس هيئة بنفس الغرفة، حيث طلبت القاضية من رئيس الهيئة التي تنظر في ملف قضائي معروض عليها، بإطلاق سراح متهمين في هذا الملف، واتهمت محامية تنوب عنهما بـ«السمسرة» في هذا الملف. وكشفت القاضية أن هذه المحامية تطالب عائلة المتهمين بأداء مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهما، وذلك على غرار متهمين آخرين في نفس الملف تم إطلاق سراحهما، حسب أقوال القاضية في المكالمة الهاتفية، والتي شككت في أسباب تأخير الملف إلى غاية شهر شتنبر المقبل.

ومباشرة بعد تداول الشريط بمواقع التواصل الاجتماعي، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن النيابة العامة أعطت تعليماتها للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء من أجل إجراء بحث يروم التحقق من حقيقة وظروف وخلفيات ما ورد بشريط صوتي متداول منسوب لقضاة حول وجود تدخل في تدبير ملف قضائي معروض على أنظار هيئة قضائية.

Advertisements

وأوضح بلاغ للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أنه «على إثر تداول بعض منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري لتسجيل صوتي منسوب لقضاة حول وجود تدخل في تدبير ملف قضائي معروض على أنظار هيئة قضائية يتابع فيه أحد الأشخاص في حالة اعتقال، وعبارات تمس بسمعة بعض أعضاء هيئة الدفاع، فقد عملت النيابة العامة على إعطاء تعليماتها للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء من أجل إجراء بحث يروم التحقق من حقيقة وظروف وخلفيات ما ورد بالشريط الصوتي من معطيات». وأبرز البلاغ أنه سيتم أيضا «الاستماع إلى كل من له علاقة بالموضوع، وإجراء جميع التحريات اللازمة لبلوغ ذلك، هذا وحالما تنتهي الأبحاث سوف يتم ترتيب الآثار القانونية اللازمة على ذلك».

وقبل ظهور نتائج الأبحاث، سارع مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى عقد اجتماع طارئ أمس الثلاثاء. وأكدت الجمعية، في بلاغ لها، أنه على إثر نشر تسجيل صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي، وما تضمنه من إساءة ومساس بقدسية رسالة المحاماة، تم ربط الاتصال مع كل من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئيس النيابة العامة، واللذين أكدا بكل وضوح بأن ما تضمنه الشريط الصوتي لا يعبر إطلاقا عن رأي القضاة لا أفرادا ولا مؤسسات، وأنه بمجرد علمهما به أمر كل في ما يخصه بإجراء الأبحاث اللازمة بشأنه، مع حرصهما وتأكيدهما على ترتيب كل الآثار القانونية، وبكل حزم وصرامة بعد التوصل بنتائج الأبحاث المأمور بها. وأوضح مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في بلاغ له، أنه يتابع عن كثب تطورات هذه القضية، وأشار البلاغ إلى أن رئيس الجمعية دعا إلى عقد اجتماع استثنائي طارئ يخصص للتداول بشأن هذه الواقعة في كل أبعادها وتجلياتها.

وبدورها، دعت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب إلى تنظيم وقفة احتجاجية اليوم الأربعاء بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء «تنديدا باستشراء الفساد والتصدي للتدخل والتأثير في القضاء»، حسب المحامين الذين قالوا إن هذه الوقفة تأتي «استجابة لنداء جمعية المحامين الشباب بالدار البيضاء وإيمانا بضرورة تفعيل الوسائل الاحتجاجية المشروعة للتنديد باستشراء الفساد والتصدي للتدخل والتأثير في القضاء من طرف كل من يسعى إلى تقويض سيادة القانون»، كما دعت الفيدرالية «كل الإطارات المهنية إلى المشاركة في هذه الوقفة التي تعتبر محطة جديدة مفصلية في معركة الدفاع عن نبل رسالة المحاماة وسمو رسالة القضاء في مواجهة لوبيات الفساد والإفساد التي تهدد الأمن المهني للمحامين والقضاة الشرفاء والأمن القانوني والقضائي للمواطنات والمواطنين».

ودخلت الجمعيات الحقوقية على الخط، حيث طالبت الجمعية المغربية لحماية المال العام، رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية بتسريع نتائج البحث المعلن عنه بخصوص مضمون المكالمة الهاتفية المنسوبة لرئيسة غرفة بمحكمة النقض وبعض أعضاء غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء وترتيب النتائج القانونية على ذلك. واعتبرت الجمعية أن التدخل في شؤون القضاء بإصدار التعليمات أو باستغلال النفوذ أو بأية وسيلة أخرى يشكل مظهرا من مظاهر الفساد القضائي ويتعارض مع مقتضيات الفصل 109 من الدستور ومع مدونة الأخلاقيات القضائية والعهود الدولية ذات الصلة بالسلطة القضائية.

وأكدت الجمعية على ضرورة تخليق منظومة العدالة صونا لحق المجتمع في الولوج إليها في إطار المساواة والشفافية والنزاهة وتحصينها من كل الممارسات المشينة والتي تمس بهيبة ومصداقية السلطة القضائية الضامنة للأمن والأمان الاقتصادي والاجتماعي، وطالبت بتحسين وضعية القضاة وتحفيزهم والاستجابة لمطالب تنظيماتهم المهنية بما يصون كرامتهم ويحفظ مكانتهم الاعتبارية في المجتمع والحرص على توفير شروط فضلى لإنتاج العدالة ضمن مناخ يساعد على تحقيق الإنصاف والشعور بالأمن الاجتماعي، مع إسناد المسؤوليات القضائية بناء على معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة والاستحقاق.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.