“سياسة عاشوراء”…مقالة في الاستغفال

إدريس عدار

أحيانا تجد نفسك مضطرا لمناقشة موضوع تافه، لا من باب نقد المكتوب ولكن من باب مطاردة التفاهة في حد ذاتها. يشفع لي في ذلك أن كثيرا من الكتاب اهتموا بالرداءة وتفكيك البشاعة بل هناك من انطلق من الشؤم والتشاؤم للتأسيس للجمال، ويغفر لي أنني اهتم بموضوع انتهاك منتوج الآخر مهما كان، وأرى إخفاء المصدر جريمة لا تقل عن سرقة المال، بل إنها أخطر لأنها تقتل الذوق العام وتفسد المعرفة، بل تؤسس لإعدام المعنى لأن السطو على مفاهيم الغير يجعلها سائبة ويخرجها عن سياقها. واخطر مما يقع هو السكوت عن واقع السرقات الأدبية، التي تتحول الى فكرة وموقف من قبل غير أهلها ولا من هم أهل لها. وتصبح عند البعض قولا جديدا أو مستجدا لم يقل بها أحد من العالمين من قبل أو انه قول للقدماء بعث الله من يطوره، وهكذا أصبحنا أمام مفكرين من الزمن الاستدراكي، لا تعثر لهم على فكرة يمكن من خلالها أن تمارس اختلافا حقيقيا معهم، بل قصارى ما في الأمر أنّك تنشغل بلعبة السرقة وعدم الإحالة للمصادر، وهي عادة لا يمكن أن يكفوا عنها لأنهم أصلا سقطوا في سوق خردة الفكر من خلال السرقات وهواية الكوبي كولي.

يفضل البعض ان يضع علامة على التفاهة، وهو دأب من لا يراعي إلا ولا ذمة في الناس. ينقلب بقياس درجات الخدمة المتعددة الأوجه، ولأن البؤس له أوجه متعددة فهو هنا يتخذ شكل أفكار ومواقف واستنتاجات، لكنها كلها مسروقة. إن منازعتي لهؤلاء ليس في محتوى ما يقولون لأنه مبحوث وتمت مناقشته في محلّه ولكن منازعتي في خدعة التمظهر بلسان المفكر والمحلل التي لم يكن لها أثر قبل سنوات قليلة وكأنّ الفكر هو الآخر ضربة حظّ وصفقة.
نقف هنا على تدوينة/مقالة لإدريس الكنبوري نشرها على صفحته بالفيسبوك يوم الاثنين (31 غشت 2020) تحت عنوان “سياسة عاشوراء”..
قال فيه “لا يزال الشيعة بعد 14 قرنا متعثرين في سؤالاتهم: لمن الخلافة؟ أين الوصية؟ من أفضل الصحابة؟…إلخ.

والغريب أن الفكر السياسي الشيعي المعاصر تطور بشكل ملحوظ بل تجاوز الفكر السياسي السني من حيث الجرأة والقدرة على زحزحة الثوابت، إلا الثوابت الرواسخ المتمثلة في السؤالات أعلاه. فهناك اليوم تفكير في الديمقراطية خارج ولاية الفقيه، وهناك ممارسة ديمقراطية داخل إيران، ومع ذلك لا يستطيع الشيعة إعادة النظر في ثابت غير ديمقراطي بتاتا وهو الوصية، وآخر معاد للديمقراطية من الأصل وهو آل البيت.

القول بالوصية هو قول بالتحيز. الوصية إجهاز على الممارسة النبوية في الشورى، والأخطر من ذلك هي تدعيم وتزكية لولاية العهد في البيت الأموي حين تم انتزاع البيعة ليزيد كرها، حتى صارت شريعة. فهي إذن فكرة في خدمة الاستبداد، ولا أفهم كيف يحتج الشيعة على الاستبداد التاريخي باستخدام نص تاريخي هو تشريع للاستبداد. فكيف نوفق بين الوصية والانتخاب؟ بين الوصية والديمقراطية؟ بين الوصية والعقد الاجتماعي، إذا عقد اجتماعي هناك؟.
وأما البيتية فهي أشد وقعا. فهذه هي النسب العائلي. والشيعة ينتقدون الحكم العوائلي في تاريخ الإسلام لكنهم يدافعون عن منطق العائلة؟”.
انتهى كلامه.

ليس مهما هنا مناقشة ما خطته يمينه أو شماله ولكن الوقوف على حقيقة هذه الادعاءات بحثا عن سلالة السرقات والمصادر المخفية كما قلت سابقا.
أحيانا يلجأ إلى نقل الفكرة والنتيجة ويبحث لها عن استدلالات، ومرات يسطو على بنية الاستدلال كاملة ويملأها بما جمعه أثناء تسكعه في “العرصة” السائبة للفكر.. وهنا يقوم بعملية تدليس خطيرة لا يمكن أن يضبطها إلا من خبر هذه النحلة التي ألفت إخفاء مصادرها على القارئ، وقد عهدنا هذا المنهج عند مفكرين كبارا لكن الفرق هو أن هؤلاء ينتمون للعرصة وأحيانا يقعون في الالتباس وبعضهم يقوم بذلك عنوة.

نحن هنا أمام نقل بليد لأن الشيعة ليسوا حائرين بل هو الحائر وحتى في الاتهام بالحيرة هو ناقل سارق لا يقول شيئا غير مسروق، اليوم الذي يعبر فيه عن فكر خاص يمكن الحديث معه ولكنه لا يحسن سوى النقل والسرقة وترديد المردد.

في كلامه إفصاح عن طبقات انتمائه السلفي المبطن، الذي ظهر في تمجيده لابن تيمية من خلال ما أسماه “قراءة ثانية لابن تيمية”، التي ظهر أنها قراءة ثانية بعد المائة، لأن كل ما أورده فيها مسبوق إليه قديما وحديثا.

ومن كثرة تناقضاته يفصح عن جهل بالدين والسياسة، حيث يجمع بين تمجيد ابن تيمية، أكبر موسوعة تكفيرية في التاريخ الإسلامي، والحديث عن الديمقراطية، وربما لهذا الغرض كتب “ابن تيمية قراءة ثانية”، وهي طريق توصل إلى “كعكات مازوتية”، غير أنه سبقه إليها كثير ممن يحسبون على الدرس الفلسفي ولم يلووا على شيء. ليس في جعبة المدعي من أدوات اللاهوت وفلسفة الدين ما يجعله قادرا على تحليل عمق الفكر الشيعي، وأسبوع من السباحة في شعبة الدراسات الاسلامية غير كافية لتنتج مفكرا يتلصّص على منتجات غيره ويعيد تقيّؤها على القارئ الذي تخونه المعرفة بالمسارات الملتبسة لنشأة وتطور هذه الكائنات الحريصة أن تمضي كل سرقاتها باسم المفكر وغيرها من عناوين لن تخفي الغباء مهما اختبأ خلف الادعاءات، لسبب بسيط أن المجتمع لا يخلو من رقابة ذاتية لاسيما في مجال الفكر والثقافة..

ومن تناقضاته الفظيعة توجيه كلام إلى عبد الله بن بيه، عالم الدين المقيم في الإمارات، المنشق عن يوسف القرضاوي، عالم الدين المقيم في قطر، حيث لمزه بالقول إنه “كان معنا وياكل من خيرات ملوكنا”، أليس في هذا الكلام تناقض عندما تقول بأن النص على الخلافة العائلية مخالف للقرآن واعتبرت أهل البيت أصلا مخالفا للقرآن وللديمقراطية؟ كيف تجمع بين الأمرين؟ كن واضحا واعتبر كلامك إلى بن بيه موجها للداخل، وكلامك حول الشيعة والوراثة موجها لمراكز الوهابية. ولا شكّ أن من كان ناقلا وسارقا تكثر تناقضاته. ويبدو أن هذا التناقض لا يهمّ رجلا يجهل المنطق والرياضيات وأثخن في الإنشاء المسروق.

وهذا من باب التراخي في المناقشة وإلا من الغباء جدا اعتبار الإمامة شكلا للحكم، وهو أمر لا يعتقد به واحد من أهلها، فهي قد تكون شاملة للخلافة وقد تكون لا، لقول النبي الأكرم “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”…

من يقرأ كلامه حول الإمامة والنص يعتقد انه جمهوري وتقدمي بينما في الأمس القريب فقط يمجد في ابن تيمية ويكفر التقدميين ويهاجم اركون مع انه لن يفهمه اذا قرأ له لافتقاره للادوات المعرفية اللازمة. والشيء نفسه فعله مع محمد عابد الجابري. هذا يعني انه لكل مقام نقل ولكل نقل قصة.

وتناقضاته ناتجة عن نقله كحاطب ليل من هنا وهناك بلا تثبت.. فالنقاش في العقائد والأديان ليس محله هنا وهو نقاش مع أهله والمختصين لكن الحديث هنا عن تناقضات يقود إليها النقل العشوائي والسرقات البليدة.

في الفقرة السابقة التي نقلناها من صفحته هناك عبارة يقول فيها ” القول بالوصية هو قول بالتحيز. الوصية إجهاز على الممارسة النبوية في الشورى، والأخطر من ذلك هي تدعيم وتزكية لولاية العهد في البيت الأموي حين تم انتزاع البيعة ليزيد كرها، حتى صارت شريعة. فهي إذن فكرة في خدمة الاستبداد، ولا أفهم كيف يحتج الشيعة على الاستبداد التاريخي باستخدام نص تاريخي هو تشريع للاستبداد. فكيف نوفق بين الوصية والانتخاب؟ بين الوصية والديمقراطية؟”.

قبل أن نحيل على “العرصة” التي أخذ منها بضاعته، نشير إلى أن الموقف من الإمامة هو فرع عن تصوره للنبوة، وهو تصور مسروق أيضا، يميز في حياة النبي بين التبليغ وممارسة السلطة الزمنية، في تجزيء بليد سبق أن تورط سعد الدين العثماني، أمين عام العدالة والتنمية، فيه أيضا من خلال “كناش” تحت عنوان “تصرفات الرسول (ص) بالإمامة، وهي من أبلد التصورات حول النبوة، بل تسير نحو إسقاطها بالنتيجة لأنه لا توجد معايير في التمييز بين ما هو تبليغ وما هو تصرف شخصي. سرق الكنبوري الفكرة من أحمد الكاتب وأيضا سرقها من جمهور السلفيين الذي ولغوا في هذا النقاش خارج قواعد الاحتجاج الصحيح كما سرقها مما كتبه عبد السلام ياسين حول الموضوع وهو في كل الأحوال نقاش قديم يجب أن تستحضر فيه الرأي والرأي الآخر، لكن الكنبوري سرق فقط الوجه السلفي المناهض للشيعة ولكن لم يتحدث عن رأيهم في ردّ هذه الشبهات، وهذا هو الجهل بآراء أهل الاختصاص. وأكرر أن اختصاصه السريع والغريب لن يؤهله لفهم هذه العقد الكلامية والفلسفية بعد أن قضى حياته في حفظ آراء السلفية والتلويح بها.

لكن من الغباء الاستكانة للنقول دون تمحيص، حيث لم يوضح العلاقة بين نص الإمامة والاستبداد؟ والمؤسف أن يقرأ غير الديمقراطي التاريخ برؤية الديمقراطية، التي لم تكن نظاما للحكم إلا في عصور قريبة، وحتى من هذا الموقع لم يوضح أين تجلت الشورى وأين اختفت؟ وهل كانت خلافة الإمام قهرا واستبدادا وهو الذي بايعته العامة في مشهد غريب؟ وهل كانت للشورى مصاديق على أرض الواقع وقد تبرأ منها أصحابها؟ ما رأي “المفكر” الشوري الديمقراطي في قول الخليفة الثانية “بيعة أبي بكر فلتة من عاد إليها فاقتلوه”؟ ما رأيه في وصية الخليفة الأول للثاني؟ ما موقف أهل الشورى من تعيين مجلس الستة دون باقي الأمة؟ لست في وارد نقد ما حدث في حينه لأن الموضوع هنا هو الموقف المسروق والمسبوق وغياب الإشارة وإخفاء التصريح بالمصدر.

كيف تصف طائفة بالاستبداد وهي التي ظلت في المعارضة طوال الدهر، وفي الحالات التي كانت في الحكم تميزت عن غيرها رغم التزوير والتحريف، الذي مارسه أسلاف الكاتب ومن تبعهم بسوء إلى يومنا هذا، ويكفي أن عبد الجبار عالم المعتزلة وشيخها في علم الكلام يكنى بالقاضي، وذلك أنه “رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية” في الدولة البويهية التي كانت شيعية، وإذا استثنينا الكتابات الأيوبية السلفية فالعهد الفاطمي تميز حسب المؤرخين بحرية المعتقد، بينما صاحبنا يتبع ويمجد أكبر شيخ للتكفيريين في تاريخ الإسلام بن تيمية.

كتابة كلها خلط في خلط ومفاهيم هاربة من عقالها تفر من العقل المتنافر.

لست وحدك من قرأ كتاب “تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه” لأحمد الكاتب ولا غيرها من الكتابات، التي تخفي كلها مصدرها السلفي. وإن كنت قرأته متأخرا وبدأت تصب ادعاءاتك على حين غفلة فإنّ لنا مع تراث من مسروقات المدعي جولات أخرى، خدمة للأمانة العلمية وإنقاذا للعلم من الأذعياء، ولنا وقفات ستأتي في وقتها المناسب..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *