كيف تسببت الحرب الأوكرانية في تفاقم أزمة الغذاء والطاقة

بقلم: حسوني قدور بن موسى

قفزت أسعار البترول في الأسواق العالمية بصورة كبيرة مسجلة أرقاما قياسية بأكثر من 4 في المائة مع تصاعد الحرب في أوكرانيا وفرض عقوبات اقتصادية على روسيا في الوقت الذي قال فيه منتجون رئيسيون للنفط، أنهم يواجهون صعوبة في إنتاج حصصهم المقررة بموجب اتفاقية خاصة بالإمدادات، الأمر الذي زاد من مخاوف الدول المستهلكة للنفط بشأن إمكانية تعويض الإمدادات الروسية في السوق الدولية، هذا بالإضافة إلى زيادة التوترات والنزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، وخاصة التدخل العسكري السعودي والإماراتي في اليمن، وخرق مبادئ القانون الدولي،الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 4.1 في المائة، أي ما يقارب 4.40 دولار، وفي هذا الصدد دعت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية التي تقف إلى جانب أوكرانيا،أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وخاصة الإمارات والسعودية،إلى الزيادة في إنتاج النفط الخام بشكل أسرع بعد ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، في حين تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على مخزونها النفطي لمواجهة تحديات المستقبل في محاولة منها إنهاك المخزون النفطي العربي، كما أن الحرب في أوكرانيا كشفت بوضوح عن تبعية الدول العربية للدول الرأسمالية، وخاصة في المجال الغذائي، ويبدو أن ارتفاع مؤشر أسعار الأغذية في السوق الدولية يربك حسابات كل الحكومات العربية وهي تعاني من ارتفاع فاتورة أكبر مستوردي الغذاء، حيث وصلت قيمة فاتورة استيراد الأغذية من الخارج بالعملة الصعبة إلى 100 مليار دولار سنويا، حسب تقدير قطاع الشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية، وستزيد معاناة الشعوب العربية في ظل العجز المستمر في الموازنة العامة بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا على انكماش الاقتصاد العالمي تراجع المتاح من الإنتاج الغذائي في السوق الدولية وارتفاع أسعار الغذاء الذي يثقل كاهل المواطن العربي، الذي هو وحده من يتحمل نتائج فشل أداء الحكومات في المجال السياسي والاقتصادي،حيث تشكل هذه الزيادات في المواد الغذائية عبئا إضافيا على تكاليف معيشة المواطنين الفقراء والضعفاء والتي سيدفعونها من جيوبهم الخاصة، هذا في الوقت الذي يتم فيه تهريب الأموال الطائلة إلى الخارج من طرف المفسدين وصلت في المغرب – على سبيل المثال – إلى 400 مليار درهم خلال الفترة ما بين 2004 و2013، أي بمعدل 400 مليار درهم في السنة، حسب التقرير الصادر عن المؤسسة الأمريكية “غلوبال فاينانشال أنتيغريتي”

(Global Financial Integrity)، وتعتبر الفواتير المزورة أكثر الطرق اعتمادا من طرف مهربي المال الحرام إلى الخارج، ذلك أن 380 مليار درهم فقدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ومن أخطر مظاهر تبذير المال العام في المغرب، هو ارتفاع رواتب المسؤولين، فراتب الوزير الأول يصل إلى 70 ألف درهم والوزراء 58 ألف درهم، وراتب البرلمانيين يصل إلى 40 ألف درهم في الوقت الذي يتقاضى فيه مسؤولون كبار في الدول الأوروبية راتبا لا يتعدى 1000 أورو التي تعادل 10800 درهم، كما أن أجور رؤساء وزراء ووزراء أولين في مجموعة الدول الأوروبية تقل بخمس مرات عن الأجر الشهري لرئيس الحكومة المغربية، هذا مع وجود الفرق الشاسع بين المسؤولين في بلادنا والدول الأوروبية من حيث المردودية وحجم الإنجازات والإخلاص في العمل، فعلى سبيل المثال،فإن راتب رئيس وزراء صربيا يبقى أقل بكثير من راتب رئيس الوزراء المغربي بسبع مرات ولا يملك هذا المسؤول الصربي الكبير أي سيارة أو أي مدخرات في البنك أو ثروات، ويعتبر موضوع تبديد المال العام في المغرب من أبرز اهتمامات المواطنين، حيث أن عمليات السرقة شملت معظم الصناديق، وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي سرقت منه 115 مليار درهم، بالإضافة إلى صناديق الجماعات المحلية، ومع ذلك عاد بعض المفسدين من جديد إلى كراسي المسؤولية في الوقت الذي يعاني فيه معظم المواطنين من مظاهر الفقر وانعدام الشغل والسكن والعناية الصحية.

Advertisements

تتوفر الدول العربية على كنوز من الموارد الطبيعية وتمتلك خمسة وخمسين في المائة من الاحتياطي العالمي للنفط، وتعتبر الثروة الزراعية من أهم ثرواته، إلا أنها لا تلقى الاهتمام الذي يجب، وتتمثل الثروة الزراعية في الوطن العربي في إنتاج الحبوب وأهمها القمح والشعير والذرة، ورغم وجود هذه الثروات الهائلة، فقد فشلت الحكومات العربية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية وفشلت في تحرير القرارات السياسية للدولة من التبعية الاقتصادية للدول الرأسمالية الغربية المصدرة للأغذية، ومن الأسباب التي أدت إلى مأزق ارتفاع أسعار الغذاء في الدول العربية ومن ضمنها المغرب، سوء تدبير الاستثمار في القطاع الزراعي الحيوي وإهمال دعم المزارعين، وغياب الإنفاق على البحث الزراعي، حيث لا يتعدى 1 في المائة من قيمة الإنتاج الزراعي، وبذلك اتسعت الفجوة الغذائية مما أدى إلى زيادة استيراد الغذاء من الخارج، وأكثر الدول العربية التي تعاني من العوز الغذائي،نجد مصر والسعودية والإمارات والجزائر والعراق، وهي أكثر الدول إنفاقا على شراء الأسلحة وإيهام الشعوب بوجود عدو خارجي يسعى إلى زعزعة النظام الداخلي للدولة، وبالرغم من أن الدول العربية حصلت على الاستقلال، فإنها لا زالت تابعة في جميع المجالات للدول الغربية المتقدمة.

إن أزمة الغذاء التي اجتاحت العالممؤخرا، سلطت الضوء على حجم الأخطار الاقتصادية والغذائية التي تهدد الدول العربية، حيث أصبحت عبئا كبيرا لا يمكن الخلاص منه بسهولة، وانتقلت لتشكل جزء من التبعية السياسية للدول الرأسمالية الغربية، خاصة وأن الدول العربية تعتمد على مساعدات هذه الدول وبالأخص القمح، فالخبز هو قوت الشعوب العربية وارتفاع سعره قد يقود إلى توترات سياسية وثورات، الأمرالذي يدفع الحكام العرب إلى تقديم تنازلات للدول الغربية، وبذلك لم يعد القرار السياسي بيد الحكومات العربية، بل أصبح في حقيقة الأمر تابعا لقرارات الدول الرأسمالية الغربية،ورغم وفرة الأراضي الزراعية بمساحات شاسعة ووفرة مياه الأنهار، خاصة في مصر والسودان،إلا أن الدول العربية غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من حاجياتها للمواد الغذائية الاستهلاكية، ففي السودان وحده ما يزيد عن 175 مليون فدان، والفدان يساوي 4200 متر مربع من الأراضي الصالحة للزراعة، وأكثر من 100 مليون رأس من الماشية كذلك، وأزيد من 400 مليون متر مكعب معدل هبوط الأمطار سنويا، ومع ذلك فإن السودان يحتاج إلى المساعدات الأجنبية، أما المغرب وفي مجال الزراعة، فإن مافيا العقار تلتهم الأراضي الزراعية على حساب معيشة السكان وتقدرالمساحة الصالحة للزراعة بـ 12 في المائة من المساحة الإجمالية للبلاد والتي تقدر بحوالي 17 مليون هكتار، وتشهد ضغطا متزايدا بسبب التوسع العمراني حيث فقدت البلاد 28 ألف هكتار من الأراضي المسقية خلال عشرة أعوام بسبب زحف البناء الذي يلتهم سنويا خمسة آلاف هكتار تحت أنظار المسؤولين.

أما الجانب الآخر الذي له أهمية كبيرة على إثرارتفاع سعرالنفط والزيادة في أسعار المواد الغذائية بسبب الحرب في أوكرانيا،فهو مدى قدرة الحكومة المغربية ورجال الأعمال وأصحاب الثروات،على حماية المواطنين ومساعدة الطبقات الفقيرة والتوسع في مد شبكات الحماية الاجتماعية، والسعي إلى تخفيف الفوارق والحد من تفاوت توزيع الدخل بين طبقات المجتمع،غير أن صعود حكومة رجال الأعمال والتوجه السياسي نحو تركيز النظام الليبرالي الذي لا يرحم الفقراء والضعفاء والاتجاه أكثر نحو خوصصة القطاعات الحيوية في الدولة، سيرفع من نسبة الفقر في المغرب التي سجلت 17.1 في المائة سنة 2019.

إن التاريخ شاهد على أن جميع الحروب التي وقعت في الدول العربية كان ضحيتها الفقراء والمساكين والضعفاء، أما الأثرياء فلا يتأثرون بها، نظرالتوفرهم على إمكانيات تسهل لهم الفرار إلى الخارج حيث يجدون قصورهم وأموالهم الطائلة في البنوك.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.