معاناة “السربايا” مع الزبناء

أكثر المهن إجهادا وإرهاقا هي مهنة النادل أو “السرباي”، الذي يقطع كيلومترات كل يوم عن طريق تقديمه لطلبات الزبائن على مدار اليوم، معتمدا في ذلك على الذاكرة الجيدة، والتركيز الدقيق، والقوة البدنية.

واعتبارا لاحتكاك النادل الدائم بالزبائن على مختلف طباعهم وعقلياتهم، فإن هذا يتطلب منه شيئا من الرزانة والكثير من الصبر والحكمة.

ومن خلال الدردشة مع بعض النوادل، تبين أن معاناتهم كثيرة ومختلفة، فهم يحاربون على جبهات كثيرة، ومعيشتهم بين المطرقة والسندان، مطرقة رب العمل الذي لا يرحم، وتهكم وتطاول و”حكرة” جل الزبائن، إضافة إلى أجرهم الهزيل والبئيس، وأعمال أخرى يقومون بها كتنظيف المقهى، وترتيب الكراسي، وتلميع زجاج الواجهة، وإدخال السلع وصناديق الفواكه، ورمي النفايات، كما أنهم يعانون من طمع وحيل بعض الزبائن “النصابة”، والأمثلة كثيرة ومتنوعة..

Advertisements

أثناء جلوسي مع نادل روى قصة طريفة كان ضحيتها من قبل بعض الزبناء “اللصوص”، مفادها أنه ذات صباح، دخل زبون يرتدي بدلة أنيقة مع ربطة عنق رفيعة، وحذاء لامع، يحمل في يديه مفاتيح سيارة من النوع الرفيع، جلس وطلب فنجان قهوة وعصير، وطلب منه سجائر بالتقسيط، فلم يتردد ولو للحظة في تنفيذ طلباته اعتبارا للهيئة التي يوجد عليها، بعدما فرغ هذا الأخير من ارتشاف فنجان القهوة وشرب العصير، ترك مفاتيح السيارة على الطاولة وأخبر النادل أنه سيأتي بعلبة سجائر ويعود بسرعة.. تابع النادل عمله مع الزبناء الآخرين، ومن حين لآخر يلتفت نحو طاولة الزبون، لكن دون جدوى.

عندئذ، وبعد انتظار طويل، انتابه الشك، فذهب وتفحص مفتاح السيارة جيدا ووجده فارغا من الداخل، حينها تيقن أنه كان ضحية نصب من لص وممثل بارع، كما أن هناك زبناء يشربون القهوة بالطلق “الكريدي” منهم من يلتزم بسداد دينه، ومنهم من يختفي إلى الأبد.

نوع آخر يطلب ما يشاء، وعند الدفع يقول للنادل أنه لا يملك ولو درهما واحدا، أو يكتشف النادل أنه مريض عقليا أو غير عادي، مما يجبره على إخلاء سبيله، بينما يطلب البعض الآخر ما يرغب من النادل، وسرعان ما يختفي عن الأنظار، وغيرها من النماذج التي تسيء لعمال المقاهي والمطاعم.

ورغم العجز المادي الذي يعاني منه “السرباي” من جراء هذه الحالات، إلا أنه يؤدي هذه الغرامات دون مساعدة ولا التفاتة إنسانية من صاحب المقهى.

النادل يعول كثيرا على البقشيش الذي يتسلمه من الزبناء، فكلما كانت المقهى في موقع استراتيجي ومصنفة، كان الدخل جيدا وكافيا، لهذا نجد “السربايا” يغيرون بكثرة مقرات عملهم باحثين عن الأحسن والأجود، مستعينين في ذلك بالدبلومات التي حصلوا عليها من مراكز التكوين المهني.

ومن جهة أخرى، فمعظم أصحاب المقاهي يفضلون توظيف الإناث كنادلات عوض الذكور، لاعتبارات كثيرة، منها أن مشاكل الفتاة أقل من مشاكل الولد، ثم إن الفتاة تجلب الزبائن، خصوصا إن كانت جميلة، وتحسن الكلام والتعامل مع الزبناء، شأنهم في ذلك شأن اعتمادهن في الإشهارات وبعض المهن كمراكز الاتصال، والاستقبالات في الفنادق، وفي وكالات الأسفار، وفي الصيدليات ومهن أخرى.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.