هل تعزز عزلة “بوليساريو” وجود إيران في تندوف؟

بقلم: الفاضل الرقيبي

لم تكن العلاقات بين إيران و”بوليساريو” سرا، رغم محاولات التكتم عليها، فنظام ولاية الفقيه، الذي اعترف بـ “بوليساريو”، منذ 1980، ساهم بشكل كبير في إنشاء البنى التحتية العسكرية للجبهة، خصوصا ما يطلق عليه بالقواعد الخلفية فوق التراب الجزائري، وحفر أنفاق تستعملها عناصرها في الانسحاب نحو الحدود في مأمن من الغارات الجوية المغربية. كما أن إيران وفرت دعما ماليا معتبرا إبان الثمانينات، ومنتصف التسعينات لـ “بوليساريو”، إلى أن أصيبت العلاقات الجزائرية الإيرانية بالفتور، خلال العشرية الدموية، لكن دون أن يمنع ذلك نظام الملالي من الحفاظ على عادة المشاركة في الأنشطة التي تنظمها الجبهة بالمخيم والمنطقة العازلة. كما أن مسؤولي “بوليساريو” يزورون، بشكل دائم، السفارة الإيرانية بالجزائر، وكان زعيم الجبهة السابق، محمد عبد العزيز، حريصا على مشاركة السفير الإيراني السابق في الجزائر كل عطل صيده بمدينة الأغواط الجزائرية.

ومع وصول إبراهيم غالي إلى البيت الأصفر، عرفت العلاقات الإيرانية مع “بوليساريو” تحولا عميقا، كان الزعيم الجديد للجبهة قد رتب له بتأنٍّ، وبتنسيق مع جنرالات بن عكنون ورجالات قاسم السليماني، عندما كان يشغل منصب سفير دولة الخيام بالعاصمة الجزائرية، التي حملته منها المخابرات الجزائرية مباشرة على متن طائرة عسكرية ليتربع على عرش الرابوني، بعد وفاة محمد عبد العزيز.

فتاريخ إبراهيم غالي الدموي، وطبعه الميال للعنف، جعلا منه المخاطب الأمثل لأحد رموز الجناح المدني للحرس الثوري، أمير الموسوي، الذي كان يشتغل بالجزائر العاصمة، تحت غطاء “ملحق ثقافي بسفارة إيران”، إذ وجد في اندفاع إبراهيم غالي، الذي لا يخفي انبهاره بـ”نجاحات” الحوثيين في حربهم ضد المملكة العربية السعودية، فرصة لإيجاد موطئ قدم لإيران في منطقة شمال غرب إفريقيا، على بعد أميال من أوربا وشواطئ الأطلسي، خصوصا أن التموقع في بؤر التوتر أصبح من اختصاص الحرس الثوري الإيراني عبر الإنزال المسلح، من أجل مساندة تنظيم ما، قبل أن يتحكم في مفاصله، ويحوله إلى أداة تخدم أجندته التوسعية، كما وقع بلبنان واليمن والعراق وسوريا.

وبغض النظر عن العداوة العميقة التي يكنها جنرالات الجزائر للمغرب، فمباركة هؤلاء للوجود الإيراني بالمخيمات تجد شرحها كذلك في سعيهم إلى إيجاد من يساعدهم، في ظل أزمتهم الاقتصادية الخانقة، على تحمل الفاتورة الباهظة لإبقاء “بوليساريو” على قيد الحياة، كما كان الحال مع نظام القذافي في السبعينات والثمانينات، ما جعلهم يفتحون حدودهم لمقاتلي “حزب الله” و”فيلق القدس”، ويبنون لهم، منذ 2016، قواعد بالمواد المفككة في شعاب حمادة تندوف، يصعب العثور عليها، أو يقومون بتدريب قوات الجبهة على تقنيات حرب العصابات، والتفخيخ والتفجير واستعمال أسلحة مصنوعة محليا في إيران، وكذلك طرق استنطاق الأسرى، بل، وأكثر من ذلك، سربت مصادر قريبة من منسق أركان “بوليساريو”، إبراهيم بيدلا أن الدفعات التي توجهت لمدينة عنابة، بغرض التدريب كان بانتظارها، في القاعدة 18 للمشاة، وفد عسكري إيراني، قادما مباشرة من العراق، حيث كان يقوم بتدريب كتائب من الحشد الشعبي الشيعية.

هذا التحرك العسكري تصاحبه مساندة سياسية إيرانية، كان آخر أطوارها تصريحات مندوب إيران لدى الأمم المتحدة، الذي أعلن، صراحة، عن وقوف بلاده إلى جانب جبهة “بوليساريو” والجزائر في ما أطلق عليه “الحق الوجودي للشعب الصحراوي في تقرير المصير والانفصال عن المغرب”، الذي يعتبر إضعافه من الأهداف الإستراتيجية لنظام الملالي، الساعي إلى زعزعة الأنظمة الملكية السنية من الخليج إلى المحيط.

غير أن ما تتجاهله “بوليساريو”، ومن خلفها الجنرالات المتعطشة للدم، هو أن ما يقومون به اليوم من شطحات، ناتجة عن حر ألم الصدمات والانهزامات المتتالية، والارتماء في أحضان نظام منبوذ عالميا وإقليميا، ما هو إلا تسريع المشي نحو الهاوية والانهيار القاتل. فإن كانت الجزائر، باعتبارها دولة لها مساع وأجندات خفية، من وراء هذا الغبار المتصاعد، يجب عليها أن تعلم أن تصرفها هذا ما هو إلا تصفية مباشرة لحركة “بوليساريو” ومجنديها، فالمجتمع الدولي لن يصمت عن ابتداع بؤرة إيرانية في شمال إفريقيا، كما أن المغرب لن يسمح بتكرار سيناريو اليمن ولبنان والجنوب السوري في المنطقة. ولعل موريتانيا والاتحاد الأوربي يشاطران المغرب التوجه والطرح نفسيهما، وما المناورات الموريتانية الأخيرة على مقربة من معسكرات الجبهة إلا رسالة واضحة للجزائر بأن المنطقة كلها ستقف في وجهها إذا ما استمرت في التهور غير المجدي، لا لشيء سوى لمحاولة إبعاد عودة الحراك الشعبي مجددا إلى الشارع الجزائري قدر المستطاع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *