هل يُسقط ارتفاع أسعار “المازوط” حكومة أخنوش ؟

“فساد قطاع المحروقات” ليس وليد اليوم، بل إن المعضلة حجزت لها مكانة كبيرة في التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات عمومية، وعن البرلمان، لكن المواطن ظل في عزلته وهو يواجه تقلبات الأسعار دون إجراءات حازمة لحمايته، بل إن لوبي المحروقات نجح في كبح جماح الرقابة التشريعية، وإفراغها من مضمونها كما حصل مع تقرير المهمة الاستطلاعية حول

“التقرير التركيبي للمهمة الاستطلاعية حول أسعار بيع المحروقات السائلة للعموم وشروط المنافسة بعد قرارالتحرير”، فـ((كثيرة هي الأحداث والقضايا التي فُتحت بشأنها تحقيقات في المغرب ولم تُعرف نتائجها أو لم تتابع بما يرتب المسؤوليات ويستدعي اتخاذ المتعين، خاصة حينما تكون من ورائها أجهزة الدولة الأمنية أو الإدارية أو القضائية، أَمَا وأنَّ ملفا يُفتح للبحث فيه من قبل مؤسسة ممثلي الشعب ولا يجد طريقه إلى المسار الصحيح، فذلك أفدح الأمرين..فقد شكل مجلس النواب المغربي، في صيف 2017، لجنة برلمانية حول مهمة استطلاعية لأسعار بيع المحروقات السائلة للعموم وشروط المنافسة بعد قرار تحرير القطاع، غير أن هذه اللجنة تأخرت في الانتهاء من عملها، إذ أودعت تقريرها النهائي فيما يناهز سنة تقريبا، والمهم أن جلسات الاستماع والزيارات الميدانية التي قامت بها، أثبتت بشكل ملموس وجود فساد منظومة أسعار المحروقات، غير أن الواقع القانوني والعملي فند كل إمكانية لهذه اللجنة للذهاب بعيدا في مسار وقف الفساد في قطاع المحروقات بعدما لم يعد هذا الأخير إحدى الدوائر المعتمة، حيث تمكن البرلمان من أن يعلم الكثير عن كيفية إدارتها.. وإذا كان تحمل المواطنين لتكلفة أي فساد عاملا مساعدا في استمراريته، فإن محاولة فهم الفساد في قطاع المحروقات وقدرته على الاستمرار حتى مع صدور ومناقشة تقرير اللجنة البرلمانية، لا يمكن أن تجد صداها إلا في البنية التشريعية المتسامحة مع المعتدين على جيوب المواطنين، وذلك في ظل ذهنية الربح السريع وضعف الضبط القانوني لحافز الربح.. فعلى الرغم من أن القصة الرسمية للجنة البرلمانية كشفت عن فساد منظومة أسعار المحروقات من خلال المبالغ المالية التي استولت عليها الشركات بدون وجه حق، إلا أن تعامل البرلمان والحكومة على السواء مع قضية الفساد هاته، قد سحبها لإطار السجالات والدعاية السياسية لا غير)) (المصدر: تعليق على التقرير/ نبيل زكاوي، أستاذ مساعد في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس).

يتواصل ارتفاع الأسعار، والمحروقات في المقدمة، دون أن يظهر أي أثر لتدخل الحكومة من أجل صد هذه الظاهرة التي تتعارض مع الغرض الذي أنشئت من أجله الحكومة، وهو “الدولة الاجتماعية”، بل إن الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، تفادى كل إجابة عن سؤال الزيادة في أسعار المحروقات، وأعطى المثال من هولندا(..)، بينما المفروض أن يقدم أجوبة عن الحالة المغربية، ولم لا إعطاء المثال من الحكومة الأمريكية حيث قال الرئيس جو بايدن، وهو يبرر قرار ضخ مليون برميل من احتياطي النفط الأمريكي في السوق: ((لا نريد لشركات النفط أن تزيد أرباحها على حساب الأمريكيين))، ولم لا المقارنة مع التجربة الفرنسية، حيث كتب الإعلام الفرنسي ما يلي: ((في خضم الارتفاع الهائل لأسعار المحروقات على خلفية الحرب في أوكرانيا، أعلنت الحكومة الفرنسية عن حزمة مساعدات بقيمة ملياري يورو لدعم المستهلكين الذين يعانون من ارتفاع أسعار الوقود، إذ سيتم خفض فاتورة تعبئة خزانات السيارات في محطات الوقود.. في هذا الصدد، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس، عن خفض أسعار البنزين والديزل بنحو 15 سنتيما للتر الواحد، وسيتم تطبيق هذا الخفض عندما يدفع السائقون تعبئة خزاناتهم في المحطات، ثم تقوم الدولة لاحقا بتعويض أصحاب المحطات فرق السعر.. وقال كاستكس: هذا يعني أنه في كل مرة تشتري فيها وقودا بمبلغ 60 يورو، فإنك توفر نحو تسعة يوروهات)).. هذا ما حدث في فرنسا على سبيل المثال، بالمقابل تكتفي الحكومة المغربية بالترويج لدعم المحروقات بالنسبة للمهنيين وكأن باقي المواطنين لا يحتاجون الدعم، علما أن المقاربة تصطدم بعدة صعوبات شكلية.

Advertisements

إن أكبر خطورة لارتفاع الأسعار، كونها تصطدم مع خيار “الدولة الاجتماعية”، بل إن ما يحصل اليوم يسائل تصريحات الحكومة ورئيسها الذي كان يقول بأن ورش “الدولة الاجتماعية” خيار يرعاه الملك.. فهل يدخل في نطاق “الدولة الاجتماعية” تحرير الأسعار وتركها سائبة(..)؟

وكانت مصادر إعلامية قد بدأت تتحدث عن تعديل الحكومة الحالية، ما يعني أنها مهددة بالسقوط، خاصة وأنه تم تعديلها وهي في بدايتها، بالاستغناء عن وزيرة الصحة السابقة الرميلي، علما أنها حكومة غير مكتملة منذ تنصيبها..فقد ((حملت كواليس العاصمة، وصالونات السياسة في مختلف الجهات والأحزاب، إشارات قوية إلى قرب إجراء تعديل حكومي يسقط بين ستة إلى ثمانية وزراء، في إطار مراجعة تشكيلة الحكومة الحالية، بعد رصد ضعف في وتيرة العمل وطريقة التواصل على رأس بعض القطاعات التي وصل جمودها إلى حد وصفت بأنها ميتة منذ تعيين الحكومة.. والتعديل الوزاري المرتقب في الأسابيع القليلة المقبلة، سينهي مسار وزراء مبتدئين ومخضرمين، نساء ورجالا، لم يتمكنوا من مواكبة تطلعات رئاسة الحكومة، وظلت قطاعاتهم خارج السياق، سواء من حيث الإنجاز، أو من حيث الخطاب والتواصل، إذ سجلت المداولات غياب الكاريزما السياسية لدى الوزراء المعنيين بالتعديل المرتقب)) (المصدر: جريدة الصباح/ الثلاثاء 5 أبريل 2022).

هذا الخبر، يمكن تفسيره بأحد أمرين: إما أن أخنوش يريد التغطية على فشل الفريق الحكومي، بالتضحية بمجموعة من أعضائه، أو أنه استشعر فعلا صعوبة استمرار هذه الحكومة، ما جعله يستسلم للتعديل، وبذلك تكون أسرع حكومة تم تعديلها في زمن قياسي(..).

إن قوة أخنوش المالية في سوق المحروقات وغيرها، هي نفسها نقطة ضعفه على المستوى الشعبي، حيث لطالما تحدثت التقارير عن الملايير التي راكمها رغم مسؤوليته الحكومية، بل إن قائمة أغنياء العالم ضمت اسمه في عز جائحة “كورونا”، حيث كشف تقرير “فوربس” في عز الأزمة أن ((ثروة الوزير المغربي والملياردير عزيز أخنوش، حققت زيادة مفاجئة منذ شهر أبريل 2020 إلى حدود ماي 2021، بزيادة بلغت 900 مليون دولار، ليصبح صافي ثروته ضمن التنصيف الجديد، 1.9 مليار دولار)).

إن ما يعمق أزمة الحكومة الحالية، رغم المشاريع ذات الطابع الاجتماعي، التي تم إطلاقها برعاية ملكية، هو نفسُها الليبرالي، بل إن واحدا من مدعميها صرح عند بداية المفاوضات، بكون “المغرب انتقل إلى مشروع دولة ليبرالية”(..)، بينما حبل نجاة المغرب يكمن في دولة اجتماعية وليس في دولة “الأسعار المرتفعة”..فقد خرج المواطنون بالتزامن مع إحياء ذكرى حراك “20 فبراير”، للتظاهر ضد ارتفاع الأسعار، وكتبت بعض القنوات عن هذه الاحتجاجات: ((خرج مواطنون مغاربة في عدة مدن في المملكة، احتجاجا على الغلاء وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية في الفترة الأخيرة، وإحياء لذكرى مظاهرات…وردد عشرات المتظاهرين في وقفة احتجاجية بالرباط شعارات منددة بـ”غلاء المعيشة” و”التهميش”، ورفعت أيضا بعض شعارات حركة “20 فبراير” مثل “إسقاط الاستبداد والفساد” و”حرية كرامة عدالة اجتماعية”، وفق مراسل وكالة الأنباء الفرنسية..كذلك تظاهر العشرات في الدار البيضاء (غرب) وطنجة (شمال)، بحسب فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك تلبية لدعوة “الجبهة الاجتماعية” التي تضم أحزابا يسارية معارضة..وتصدر هاشتاغ “أخنوش ارحل” و”لا لغلاء الأسعار” موقع “تويتر” خلال الأيام الأخيرة في المملكة)) (المصدر: وكالات).

هكذا إذن، يظهر أن مستقبل عزيز أخنوش رهين بضبط الأسعار، ودفع التهمة الليبرالية المتوحشة عن حكومته، ذلك أن الزيادة في أسعار المواد الأساسية وعلى رأسها المحروقات، قد تكون سببا في هدم السلم الاجتماعي، لا سيما بعد بداية الترويج لأسعار تصل إلى 20 درهما للتر الواحد، حيث: ((يقترب سعر الغازوال والبنزين ببلادنا إلى 15 درهما، فيما يتوقع المهنيون أن يستمر الارتفاع ليصل إلى 20 درهما.. وفي هذا السياق، قال الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، إن تقلبات أسعار المحروقات على المستوى العالمي، يرجع إلى تعافي اقتصادات الدول من تداعيات جائحة “كورونا” وعودة ارتفاع الطلب على الإمدادات..وتوقع أن يصل سعر المحروقات بالمغرب إلى 20 درهما، مؤكدا أن هذا الأمر سيطرح إشكالية ندرة وخصاص المنتوج الطاقي ببلادنا، مشددا على أن الدول غير المنتجة أو المكررة للنفط ستواجه مشاكل والمغرب معني بهذا الإشكال)) (المصدر: موقع القناة الثانية الحكومية).

إن الحلول الممكنة للخروج من هذه الورطة، هي نفسها التي طرحها النقابي المذكور، وتتمثل في “تشجيع التنقيب” و”الرفع من الاحتياطات الوطنية من المحروقات والمواد البترولية من خلال الاستئناف العاجل لتكرير البترول بمصفاة المحمدية واستغلال كل طاقاتها في التخزين والتكرير تحت كل الصيغ التي تحمي المصلحة العليا للمغرب”، مع “ضرورة الفصل بين نشاط التوزيع والتخزين وتحديد الحقوق والواجبات في التكوين والمراقبة الصارمة للمخزون الأمني، تحسبا لكل الطوارئ والمفاجآت في انقطاع الإمدادات والتزويد المنتظم”.. فهل ستتفاعل حكومة أخنوش مع هذه المقترحات قبل فوات الأوان؟

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.