يونس دافقير : «فرانس 24» تتعامل مع المغرب كحديقة خلفية لفرنسا بعقلية استعمارية

يونس دافقير

تتعامل قناة فرانس 24 مع المعطي منجب كمواطن فرنسي مقيم فوق التراب الوطني، ومطلوب منها أن توفر له الحماية في القضايا التي هو مطلوب فيها أمام القضاء بصفته مواطنا مغربيا.

وهكذا يظهر أننا لسنا متساوين في الوضعيات المواطناتية، فأن تحمل جنسية فرنسية يعطيك امتياز أن تحتضنك قناة فلسفة المساواة كراع رسمي وتشكك في كل المنسوب إليك باجتهاد قل نظيره لا يستفيد منه حتى الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه، ووحدها الجنسية الفرنسية والدعم الإعلامي الأجنبي يجعلك تمتلك ما يكفي من القدرة على تحدي قضاء بلدك، عكس بسطاء الناس الذين يخضعون للقانون لأن لا أحد فوق القانون ليوفر لهم حماية دولية.

لكمأنتحصواعددالمراتالتياستضافتفيهاالقناةالمعطي منجب،فقد صار من البديهيات أنه الوحيد الذي يفهم في كل شيء من السياسة والاقتصاد إلى القانون إلى الفلاحة وتوزيع الأراضي،حتى الصحافة الاستقصائية وخبايا التاريخ وتقلبات أسعار البورصة والعقارات صعودا ونزولا…

لكن المعطي، وخارج كل هذا الضجيج، ومنذ كتابه المثير للجدل حول الصراع حول السلطة في المغرب، لا يركب جملة سياسية مفيدة واحدة، أكيد أنه ينتج مئات الجمل، لكنها صحيحة لغويا ولا أساس لها لا سياسيا ولا أكاديميا. غير أن انتقاد المعطي ممنوع ومحظور في القانون الذي تريد أن تفرضه علينا فرانس 24، فهو صحفي، حقوقي، باحث، مؤرخ… من حقه أن يكتب ما يشاء ويقول ما يريد ويفعل ما يبتغي ولو كان يقع تحت طائلة القانون الجنائي، وكل اقتراب بالاعتراض أو النقاش هو تشهير به!!

إنه مقدس، وليس بشرا مثلنا، ووحده يملك حقوق الإنتاج الحصري للحقائق الثورية التي لا توجد إلا في رأسه.

ومن سخرية القدر أن المعطي اليساري، المعتكف من أجل الجماهير ومن المقاتل من أجل عدالتها الاجتماعية، يسير تدريجيا نحو أن يصبح من كبار الملاك العقاريين بالمغرب. لا غرابة في ذلك، المعطي يريد فقط أن يكون ابن تاريخنا وهو المؤرخ، وفي تاريخنا كان للملاك العقاريين نفوذهم السياسي وحظوتهم الاجتماعية، وبسبب ذلك لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منهم، فكيف يتجرأ القضاء على مساءلة «إقطاعي»؟ في ذلك عبث بهندستنا الاجتماعية وتراتبيتنا الطبقية!!.

وكما يحصن المعطي نفسه بالجنسية الفرنسية، والمنظمات الدولية والأملاك العقارية، وبمكان محجوز على الدوام في بلاطوهات فرانس 24، ها هو يحصن نفسه إعلاميا بأطروحة «صحافة التشهير»، وأعترف شخصيا للرجل بذكاء ثاقب. ليس كل متلاعب بعقول الأتباع لديه هذه القدرة على إبداع مصطلح فارغ تتبناه القناة الفرنسية، ويردده خلفه الفلاليس والكاميكازات الذين صنعهم في بورصة الاتجار الدولي بحقوق الإنسان.

لا أحد منا قال إن المعطي «مجرم»، ولا أحد استبق القضاء ليحكم عليه بالإدانة، المعطي بريء إلى أن تثبت إدانته، لكن عليه أن يجيب عن الأسئلة الواضحة: من أين لك كل هذا؟ حكاية أجرة الأستاذ الجامعي غير مقنعة، والإضراب عن الطعام حق شخصي ونضالي لكنه ليس جوابا على استفسارات الرأي العام، وادعاء النقاء ليس جوابا حاسما، وفرانس 24 تعلم جيدا كيف كان وزير المالية جيروم كاهوزاك في عهد فرانسوا هولاند ينفي باستماتة ومثالية تهم التهرب من واجباته الضريبية، قبل أن تضعه تحقيقات القضاء الفرنسي أمام حقيقته العارية وتدينه بالسجن ثلاث سنوات نافذة بتهمة تبييض الأموال والتهرب الضريبي.

وفرانس 24، التي تدافع عن الهاربين من القانون باسم رفض صحافة التشهير، لم تر في عرض صورة «الأحداث المغربية» في الروبورتاج الذي خصصته للمعطي وهو يتحدث عن التشهير الإعلامي تشهيرا بجريدة مغربية وطنية، ولم تر أنه من الضروري أن تعطيها حق الرد على ما يتبادر إلى المشاهد أنه إلصاق لتهم التشهير بجريدة تفتخر بأنها تفضح النفاق السياسي والمتاجرة بالسياسة أينما كانا.

قصتنا في هذه الجريدة مع المعطي واضحة، نحن نتابع بناء ديمقراطيتنا الناشئة، ونقف عند كل تفاصيلها، نجاحاتها وكبواتها، ننطلق من أننا لسنا جنة لحقوق الإنسان كما لسنا جحيمها أيضا، وفي قضية الأملاك العقارية تبدو لنا الصورة هكذا: رواية رسمية تقول إن الرجل متورط في شبهة غسيل الأموال وهو المناضل السياسي والحقوقي، ورواية المعطي التي تقول إنه مستهدف من طرف الدولة بسبب كتاباته ومواقفه.

هل يسعفنا ذلك في تشكيل قناعتنا بكل تجرد وحياد؟ مع الأسف لا، لأنه لدينا رواية واحدة بينما صاحب الرواية الثانية لا يريد أن يكشف عنها، لا يرغب في أن يصارح الرأي العام، ولذلك قلنا ونقول له هات برهانك إن كنت صادقا، أثبت أنهم كاذبون، وحينها سنكون أول من يتضامن معك، ويدين هذا الاستهداف غير المشروع لمناضلي الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لكن المعطي وهو الصحفي الذي يتحدث عن الحق في المعلومة لا يريد أن يعطينا المعلومة التي من شأنها أن تنصفه أو تنصف من يتهمونه، ومن شأنها بعد ذلك أن تساعدنا على تحديد حجم الضرر والخسائر التي تلحقها مزاعم الرواية الرسمية بديمقراطيتنا الناشئة.

ثم لماذا لا تطرح فرانس 24 السؤال حول ما إن كانت العناوين المثبتة في الرسوم العقارية والتحويلات البنكية في ملكية المعطي منجب؟ ولماذا لا تسأله كيف له أن يمول من أجرة أستاذ جامعي كما يقول أملاكا بقيمة ملياري سنتيم؟ هذه هي الأسئلة، أما تخراج العينين ورفع إيقاع الصوت وبهارات اللغة الثورية، فتلك حيل لن تنطلي على أحد.

مشكلة فرانس 24 أنها تتعامل مع المغرب كحديقة خلفية لفرنسا بعقلية استعمارية مقيتة، ومشكلة فلاليس المعطي وكاميكازاته أنهم يساعدون هذه القناة على نظرتها الاستعمارية إلينا، وفي الواقع، لم يرتكب المعطي فقط شبهة غسيل الأموال المفترضة، بل اقترف جريمة أفظع، خلق بيننا العديد من العاهات السياسية والصحافية والحقوقية التي صارت تعطي نفسها صلاحية الوصاية على عقولنا وأفكارنا، وهي التي لم تتخلص بعه من كليشيهات المراهقة اليسراوية.

ويبقى السؤال مطروحا: من أين لك بكل ذلك يا معطي، ودعنا من حكاية الأجرة الشهرية والمواقف التي تعاقب عليها. فتلك أضحوكة لا تقل هزلا عن صورك فوق كرسي متحرك.

أما بالنسبة لفرانس 24 فنقول: كما أنك قناة تمارس الوظيفة التي أحدثت من أجلها وهي حماية مصالح الدولة الفرنسية، فمن حقنا نحن أيضا، كصحفيين مغاربة ملتزمين بوطنيتنا، أن ندافع بشرف وشراسة عن مصالح شعبنا وصورة بلدنا، والمصالح العليا لأمتنا المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *