اقتصاد

“الذهب الأزرق” للمغرب : المورد الخفي الذي يحافظ على التصنيع السيارات الكهربائية

في توقيتين متقاربين، أعلنت تركيا والمغرب عن إنتاج أول سياراتين كهربائيتين مصنعتين بنسبة 100% في البلدين، حسب مسؤولين بالدولتين، فكيف تحقق ذلك؟ وهل يستطيع البلدان أن يقدما سيارات كهربائية قادرة على المنافسة عالمياً؟ وما دول المنطقة الأخرى المرشحة للحاق بركب تصنيع السيارات الكهربائية؟

وينظر للسيارات الكهربائية، باعتبارها المستقبل في صناعة السيارات، وللمغرب وتركيا على السواء ميزة تنافسية في مجال صناعة السيارات عامة، والكهربائية بصفة خاصة.

لماذا يمتلك المغرب ميزة نسبية في مجال السيارات الكهربائية؟
يُعتبر المغرب أكبر مصنع للسيارات في إفريقيا والعالم العربي، ففي عام 2018 تفوّق على جنوب إفريقيا، لتصبح البلاد أكبر منتجي سيارات الركاب في قارة إفريقيا.

ويشغّل قطاع صناعة السيارات بالمغرب نحو 230 ألف عامل، وتبلغ قيمة إنتاجه هذا العام، نحو 9 مليارات دولار و341 مليوناً، وهو رقم قياسي بالنسبة للرباط، حسبما قال رياض مزور، وزير التجارة والصناعة المغربي، في نوفمبر 2022،

وأصبح المغرب مركز مفضلاً من قبل الشركات في مجال تجميع وتصنيع السيارات لاسيما الفرنسية، وتحول هذا القطاع لقاطرة رئيسية لاقتصاد البلاد، وفي الوقت ذاته، لدى المغرب ميزة خاصة في السيارات الكهربائية باعتباره من الدول النادرة التي تمتلك احتياطات كبيرة من معدن الكوبالت الأساسي في مجال تصنيع بطاريات أيون-الليثيوم القابلة لإعادة الشحن، والمستخدمة في المركبات الكهربائية، حسب تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني وهو المعدن المعروف بالذهب الأزرق.

يقول عثمان قوتاري، أحد كبار مستشاري مجموعة “أولبرايت ستونبريدج” المتخصصة في هذا المجال، إنَّ “هدف المغرب في مجال صناعة السيارات الكهربائية أن يتجاوز مرحلة مجرد توفير المواد الخام إلى معالجتها داخل البلاد واستخدامها في بطاريات محلية الصنع، إنَّهم يريدون ربط الكوبالت بتصنيع المركبات الكهربائية”.

وأضاف أنَّ “الدعم الحكومي لهذه الخطة ووجود مركز كبير بالفعل لتصنيع السيارات في المغرب قد أثار اهتمام المستثمرين”.

وتابع: “تتمثّل الفكرة في بناء نظام بيئي حاضن لبطارية السيارة الكهربائية، ينتقل من إنتاج السلعة إلى إعادة تدوير البطاريات القديمة”، مشيراً إلى أنَّ جميع المكوّنات موجودة بالفعل في المغرب.

قال مايكل تانتشوم، الزميل غير المقيم في برنامج الاقتصاد والطاقة بمعهد الشرق الأوسط، لموقع “Middle East Eye” إنَّ المغرب لديه سجل أداء ناجح في جذب الاستثمار الأجنبي، مضيفاً أنَّ هذا التطور سيتناسب مع هدف الحكومة المتمثّل في تعزيز الإنتاج المحلي في مجال صناعة المركبات.

وأضاف أنَّ “إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية داخل المغرب من شأنه تحفيز التوسّع في قطاع تصنيع السيارات الكهربائية”.

مصنع جديد للبطاريات
في نوفمبر من العام الماضي (2021)، اقترح قانون المالية العامة المغربي لعام 2022 خفض رسوم خلايا بطاريات الليثيوم آيون من مستواها الحالي البالغ 40% إلى 17.5%، لدعم تجميع بطاريات السيارات الكهربائية في المغرب محلياً، اعتماداً على واردات الخلايا من شرق آسيا.

وأعلنت الرباط مؤخًراً توقيع اتفاقية وشيكة لبناء مصنع “غيغافاكتوري” لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية في المغرب.

ويعدّ مصنع “غيغا فاكتوري” مصطلحاً أطلقته شركة “تيسلا” على المصانع التي تنتج بطاريات السيارات الكهربائية بنطاق فائق الاتساع، بما يكفي لتصنيع بطاريات لما يتراوح بين 30 ألفاً و45 ألف سيارة كهربائية، وفق حجمها وطرازها، وقد يتسع إلى إنتاج بطاريات لـ300 ألف سيارة كهربائية إضافية.

وهذا التوقيع يعزز موقع المغرب في مجال النقل الأخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

فمفتاح تقدم المغرب، ليكون عملاق تصنيع في مجال التنقل الأخضر، هو التوسع في تصنيع بطاريات الليثيوم أيون محلياً، التي تشكّل 30% إلى 40% من متوسط تكلفة السيارة الكهربائية، حسبما ورد في تقرير لموقع الطاقة.

واستفاد قطاع تصنيع السيارات الكهربائية في المغرب من تركيز أوروبا على تقريب سلاسل التوريد من القارة الأوروبية وعدم الاعتماد على آسيا، خاصة الصين، الذي ظهرت عيوبه خلال جائحة كورونا إضافة للقلق من التوترات بين الغرب وبكين.

ومع توافر موارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى البنية التحتية على نطاق المرافق القائمة، فإن الرباط تحظى بقدرات تؤهلها لتكون مركزاً لصناعة السيارات الكهربائية.

نجاح المغرب في صناعة السيارات التقليدية يؤهله للانتقال للكهربائية
دعمت الرباط خطط التقريب عبر خطة تسريع صناعي اتّبعتها خلال المدة من 2014 حتى 2020، طورت فيها النقل عالي السرعة والسعة بصورة متزامنة، من خلال بناء ميناء طنجة الذي يوصف بأنه أكبر المواني في البحر المتوسط.

وعزز تطوير المغرب للموانئ والسكك الحديدية من اتجاه مجموعة “رينو” الفرنسية إلى إنشاء مصنع ثانٍ لها في المملكة، بالإضافة إلى إنشاء مجموعة “بي إس إيه” -أحد أعضاء تكتل ستيلانتس- مصنع “بيجو” في القنيطرة شمال الرباط.

ويحظى مصنعا “رينو” و”بيجو” بدعم 250 مورداً دولياً من أميركا وأوروبا واليابان وبلدان أخرى تشغّل مصانعها المحلية الخاصة.

وبفعل سياسات التقارب أيضاً؛ تصنع بالمغرب سياراتان من الأكثر مبيعاً في أوروبا، وهما (بيجوب 208، وداسيا سانديرو التابعة لـ”رينو، حيث نقلت الشركة الأخيرة إنتاجها الكامل لهذا الطراز من رومانيا إلى مصانعها في الدار البيضاء وطنجة بالمغرب؛ لانخفاض تكلفة العمالة بنسبة 50%.

أفضت هذه الاستراتيجية إلى تمكين المغرب من صُنع أوّل سيارة “مغربية مائة في المائة”، حسبما أعلن وهي سيارة تشتغل بالطاقة الكهربائية تحمل ماركة “أوبل”، جرى عرضها مؤخراً في باحة مجلس النواب.

وأكد رياض مزور، وزير التجارة والصناعة، أن السيارة التي يبلغ سعرها عشرة ملايين سنتيم مغربي (نحو 9340 دولاراً)، وتبلغ سرعتها القصوى 75 كيلومتراً في الساعة، تم تصميمها وصُنعها بشكل كامل في المغرب.

رغم أنه من الصعب تخيل تصنيع سيارة كهربائية أو أي منتج حديث بالكامل في أي دولة سواء المغرب أو تركيا، ولكن المؤكد أن تصنيع سيارة كهربائية بنسبة كبيرة إنجاز مهم، خاصة إذا تمت على يد شركة عالمية مثل ستيلانتس التي تمتلك أول.

وإضافة إلى سيارة أوبل المشار إليها، أعلنت شركة رينو الفرنسية أنها ستشرع في إنتاج سيارة كهربائية بالمغرب في الربع الأول من العام المقبل، بقدرة إنتاجية في حدود 17 ألف سيارة، حيث يرتقب توجيه الإنتاج إلى السوق الأوروبية.

كما تم الإعلان من قبل شركة سيتروين عن إنتاج سيارة المدينة الصغيرة إيمي (التي تعد بمثابة بديل للدراجة النارية أو السكوتر).

زر الذهاب إلى الأعلى