القانون الذي فتح أبواب الصراع بين الوزير بنسعيد والفنانين والمبدعين

لقد رفضت تنسيقية النقابات المهنية الأسلوب الذي تم به تمرير مشروع القانون المتعلق بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وطريقة تعامل وزارة الشباب والتواصل، ونواب الأغلبية في البرلمان بمجلسيه، مع المهنيين، بعد التصويت على مشروع القانون دون الأخذ بعين الاعتبار أي تعديلات تهم تجويد القانون وملاءمته للمقتضيات الدستورية ولمبدأي الاستقلالية والديمقراطية المنصوص عليهما في الفصل 26 من الدستور، والنزوح إلى مقاربة تحكيمية وغير ديمقراطية تعتمد الأغلبية العددية في تمرير قانون يستصغر الفن والثقافة.

واعتبرت التنسيقية أن هذا القانون يضع القرارات الخاصة بالمجال في يد الوزارة الوصية، من خلال الإفراط في التعيينات بالمجلس الإداري للمكتب المغربي لحقوق المؤلف مقابل غياب وتقليص عملية الانتخاب، التي تعطي للهيئات المهنية حق التمثيلية في هذه المؤسسة الوطنية.

بالرغم من المصادقة على القانون المتعلق بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، في مجلسي النواب والمستشارين، إلا أنه لا زال يثير جدلا واسعا بين المهنيين، الذين يتساءلون عن مصير ذوي الحقوق في ظل استمرار تحكم الوزارة في المجلس الإداري للمكتب ومداخيله.

Advertisements

يرى سعيد الإمام، رئيس المرصد الوطني لمبدعي الأغنية المغربية وحماية حقوق المؤلفين، أن “مشروع هذا القانون قدمه الوزير دون استشارة المعنيين بالأمر، الفنانين المنخرطين في المكتب المغربي لحقوق المؤلف، مما دفع بالهيئات لأخذ المبادرة لطلب لقائه، لكنه لم يستجب لطلب الاجتماع أو فتح حوار لمناقشة مسودة القانون، وقرر المضي في قراراته بشكل انفرادي دون الاستماع إلى جميع المهنيين”، مشيرا إلى أن “الهيئات حصلت على مسودة المشروع واطلعت عليه وقررت اللجوء إلى الفرق البرلمانية من أجل إبراز الملاحظات والمقترحات التي لا تتماشى مع حقوق الفنانين ومطالبهم”.

وأضاف أن “400 من الفنانين والخبراء والأساتذة الجامعيين شاركوا في يوم دراسي، وأجمعوا على أن مشروع القانون يتضمن الكثير من الهفوات الدستورية والقانونية، ويسيء لصورة المغرب دوليا، خاصة وأن قوانين حقوق التأليف في العالم تخضع لمعايير ومقاييس دولية لا يجب الخروج منها، من أبرزها أن إدارة المكتب تنتخب من طرف الفنانين والمنخرطين في المكتب، وليس عبر تعيين مجلس إدارة من قبل الوزير الوصي على القطاع”، معتبرا أن “المكتب المغربي لحقوق المؤلف يجب أن يتمتع بالاستقلالية بعيدا عن السياسة ومنطق التعيين برؤية سياسية”، وقال أيضا: “الوزير لديه منصب سياسي وليس له حياد، يمكن أن يكون اليوم وزيرا اشتراكيا يعين مديرا ينفذ سياسته داخل المكتب، ويأتي بعده وزير من حزب آخر يعفي المدير الاشتراكي ويضع مديرا آخر ينتمي لحزبه، مما يجعل الفنانين يخضعون للتجاذبات السياسية التي نبهنا إليها، لأن المكاتب في العالم تعتمد على مبدئي الديمقراطية والاستقلالية”.

واستطرد سعيد الإمام حديثة بالقول: “إن القانون الجديد يمنح للوزير صلاحية التحكم في المكتب من خلال تعيين مدير ومجلس إدارة، ويصبح خصما وحكما وطرفا في نفس الوقت، مما يضع الفنانين والمنخرطين في مواجهة الوزارة التي ستكون مسؤولة عن تسيير المكتب وفي نفس الوقت الفصل في النزاعات”، مشيرا إلى أن المهنيين والفنانين يرون أن من حقهم انتخاب واختيار من يسير المكتب المغربي بينما الوزارة تشرف على التحكيم.

استمرار وصاية الوزارة

قال سعيد الإمام أن “الفنانين لم يسبق لهم في تاريخ المكتب المغربي لحقوق المؤلف، أن أشرفوا على تسيير هذا المكتب، أو تعيين مجلسه، لكون الوزارة الوصية هي من تقوم بتعيين المديرة أو الإدارة، المسؤولة عن الخروقات التي كانت سائدة من قبل”، وأن “حالات تضارب المصالح كانت في عهد الوزارات السابقة، والفنانين ليس لهم أي دخل فيما يتعلق بالتوزيع والمداخيل التي يتوصل بها المكتب من الإذاعات أو التلفزة أو فنادق أو مطاعم تستغل أغاني الفنانين”،

وتساءل عن الجهات التي ستستفيد من المشاريع الفنية والثقافية التي يعتزم الوزير القيام بها من أموال المكتب، هل هي شركات الإنتاج أم الفنانين الأجانب؟ رافضا صرف أموال الفنانين المغاربة الذي يعيشون ظروفا صعبة على الأجانب والتظاهرات من أموال المكتب المغربي لحقوق المؤلف، ومعبرا عن أسفه لتصويت النواب على هذا القانون بالإجماع.

قانون خارج المعايير الدولية

عبد الرحيم ضرمام، الأمين العام لنقابة المسرحيين المغاربة وشغيلة السينما والتلفزيون، قال: “إن 11 هيئة ترفض صيغة القانون رقم 25.19 المتعلق بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بسبب مجموعة من الاعتبارات، أولها أن هذا القانون جاء ليكرس هيمنة وزارة الثقافة على الإدارة المركزية دون مراعاة لتمثيلية ذوي الحقوق من الفنانين والمهنيين، رغم تقديم النقابات والهيئات لمجموعة من المقترحات التي لم يأخذ بها من قبل اللجنة التي اشتغلت على الملف”، وأضاف: “عقدت التنسيقيات لقاءات مع فرق الأغلبية الحكومية والمعارضة في مجلس النواب، حول مشروع القانون وقبول المقترحات التي من بينها حق تمثيلية ذوي الحقوق بالثلثين، والمشاركة في تسيير الهيئة التي تشرف على المكتب المغربي لحقوق المؤلف، وتعيين جهاز رقابة عند حصول اختلالات في المال العام أو أموال ذوي الحقوق”، واعتبر أن مشروع هذا القانون يشكل انتكاسة وتراجعا كبيرا للحقوق الثقافية في المغرب، لكون دور المكتب هو تنظيم العلاقة مع ذوي الحقوق في صرف المستحقات، والقانون أهمل مسألة الحقوق الثقافية وحق التمثيلية لمجموعة من ذوي الحقوق، مما جعله لا يواكب المواثيق الدولية، متسائلا: هل يعقل أن تشتغل وزارة الثقافة بمنطق التعيينات في الهيئة التي تشرف على تسيير الوزارة، وخلق جمعيات مهنية تفرز انتدابات معينة بمنطق الولاءات والقرابة؟

التحكم الحزبي والسياسي

انتقد ضرمام تصريحات الوزير التي وصف فيها التنسيقيات الفنية بـ”اللوبي” الذي يحاول السيطرة على المكتب المغربي لحقوق المؤلف، معتبرا أنها “أشياء مجانبة للصواب والواقع الذي عرفه المكتب منذ سنوات، حيث ظل يخضع لسلطة الوزارة الوصية من خلال تعيينها لمديرة أشرفت على تدبيره منذ سنوات، ولم يسبق لذوي الحقوق أن شاركوا في تسيير المكتب أو كانوا ممثلين في مجلس إدارته، وإذا كانت هناك خروقات يمكن اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات لمحاسبة كل من أخل بالقوانين”، وقال: “الهيئة المسؤولة عن المكتب أصبحت تخضع للتجاذبات السياسية، والمجال الفني في المغرب في غنى عن هذه التجاذبات التي لم تنجح، والقطاع الفني أمام تحديات كبيرة وملفات كبرى تستحق بذل المزيد من المجهودات للرفع من القيم الثقافية والحضارية للمملكة، ونحن نعتبر التنمية والحياة الثقافية واجهة للنهوض بالمغرب الحديث”، مشيرا إلى أن “القانون عندما لا يشتغل بمقاربة تشاركية مع الهيئات الفاعلة والمهنيين، فلن يحقق الأهداف المرجوة منه، وستبقى المسؤولية يتحملها الوزير والفريق الذي أشرف على إخراج هذا القانون الذي يتضمن مجموعة من الثغرات”، وأضاف: “التنسيقية طلبت تحكيم المحكمة الدستورية عن طريق الفرق البرلمانية، لكن تمت العرقلة عبر مسطرة الآجال لكي يمرر الوزير القانون بالرغم من رفض حوالي 800 من المهنيين الذين حضروا اللقاء الدراسي وعبروا عن رفضهم للمشروع”.

أربع نقاط لدى التنسيقية

حددت تنسيقية النقابات المهنية الفنية أربع نقاط أساسية بخصوص رفضها للقانون المتعلق بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة: 1) عدم الأخذ بعين الاعتبار أي تعديلات تهم تجويد القانون وملاءمته للمقتضيات الدستورية ولمبدأي الاستقلالية والديمقراطية المنصوص عليهما في الفصل السادس والعشرين من الدستور، والمقاربة التحكمية واللاديمقراطية، والأغلبية العددية التي تم بها تمرير القانون، ووضع كل القرارات الخاصة بالمجال في يد الوزارة. 2) الاختلالات السابقة التي عرفها المكتب المغربي لحقوق المؤلف نتيجة استحواذ الوزارة الوصية على القطاع، وخضوعها للضغط السياسي من قبل أصحاب المصالح، سواء من فئات معينة من ذوي الحقوق أو من قبل بعض المستغلين، وهو الأمر الذي كان من الممكن تفاديه باضطلاع الوزارة ومعها مؤسسات أخرى للدولة، بمهمة الإشراف والرقابة والحكامة والتدبير بموجب القانون. 3) الوزارة الوصية هي الوحيدة التي كانت تشرف على قطاع حقوق المؤلف، وهي المسؤولة عن أي خلل فيه خلال الفترة السابقة، وهو الأمر الذي يكرسه مشروع القانون الجديد. 4)

تأسيس جمعيات مهنية لكل صنف من ذوي الحقوق خارج المكتب، من أجل منح رؤسائها عضوية المجلس الإداري ومنحها اعتمادا، يعني استحواذ الوزارة الكلي على المجلس، الشيء الذي يتناقض مع المادة 2 من ظهير الحريات العامة، والتي من المفروض أن ينص القانون على إمكانية تأسيسها والاكتفاء بانتخابات داخلية من قبل ذوي الحقوق المسجلين بالمكتب.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.