في البحث عن معنى ..قراءة في المجموعة القصصية ” الوجه والأثر ” للمصطفى سكم.

ملحوظة: سيتم في القادم من الأيام بحول الله، إضافة فقرات موجزة تتعلق بالمفارقة، والظل.
وأنت تتصفح مجموعة “الوجه والأثر” للمبدع المصطفى سكم، ستلمس البعد الإنساني الثاوي فيها، من العنوان وحتى آخر نص.
فحين تلج العمل، ستتوقف، ولا شك عند الإهداء الشاعري التي يستضمر ذلك البعد؛ إذ من الخاص يتشكل العام، فالزوجة والابنة حظيا بتوقيعه، وحق لهما ذلك لأنهما اللبنة والأساس الذي قام عليه هذا الصرح؛ أقصد العمل/الأعمال.
فالزوجة هي بمثابة هيستيا التي أصبحت كما يتبين من اسمها ربة الموقد ورمز الحياة العائلية وما يسودها من سلام وتضامن وهناء.
أما البنتان فها ذلك الامتداد المسقي بماء المحبة، تنموان وتكبران لتجسد معاني الأم في أجلى دلالة.
الأم والبنتان وجوه تتدفق ماء وأثرا، وهي بذلك تجلي معاني العنوان، وتظهران خصوبة دلالته. وتقومان بمنح الأنا امتلاءها، فمن دونهما تظل فارغة غير حاملة لأي معنى.
ليس الإهداء وحده من يقوم بتجلية معاني الخير والمحبة والسلام، بل المقتطف، أيضا، يعضد هذه المعاني وبه يشير إلى البعد الأخلاقي في علاقة الأنا بالآخر.
وقولة ليفيناس، تسير على النقيض من قولة سارتر المشهورة: الآخر هو الجحيم.
إنها قولة تزيح الجحيم لتحل محله السلم والتشارك والتعاون. وهو ما تؤكده القولة العربية المشهورة: الخلاف لا يفسد للود قضية. فالخلاف يمكن أن يكون بين الأنا والآخر، بغض النظر عن هذا الآخر: أهو في الداخل أم في الخارج..وهل يمكن للأنا أن تكون من دون الآخر؟
ليفيناس ركز على الجانب الأخلاقي، مؤكدا على أن “النحن” أسبق من الأنا والأخر، أي أن الأصل واحد، وما الاختلافات إلا وسيلة إثراء لا إقصاء.
والمقطع يبين أن موت الإنسان يضع الذات موضع تساؤل واتهام. إن الأنا مطالبة بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية في الحفاظ على حياة الإنسان بدل تدميرها.
وبذا يتكشف البعد الاجتماعي لفلسفة ليفيناس الأخلاقية، التي تدعو للتجاوز لا إلى التناحر. وقد كان (الوجه) هو حجر الأساس الذي بنى علیه الفیلسوف فلسفته الأخلاقیة، وجعله المحك الأساسي للتواصل بین الأنا والآخر، وذلك لأنه لا یمكن الفصل بین الآخر ووجهه، مشیرًا إلى أن اللقاء بالوجه هو بمثابة الحدث الذي یكمن فیه الحوار وربما یكون حوارا من دون خطاب موجه، فالوجه هو ظاهرة تشیر إلى ماهیة الإنسان بالمعنى الفینومینولوجي. كما لو كان ذلك الخطاب هو تجلّ للإله على الوجه لحظة اللقاء؛ حیث یقول لیفیناس: “فحینما تلتقي الأنا بالأنت تبدأ العلاقة الأصلیة للحدث الأخلاقي.
لذا، نجد المجموعة تحتفل بهذا البعد الإنساني، موظفة الوجه عنوانا، وفي العديد من القصص، مؤكدة على الحاجة إلى الحوار ونبذ التعصب، والفرقة ، والقبول بالاختلاف بدل التناحر. والحق إن واقعنا الحالي يستوجب مثل هذه الفلسفة ونحن نشاهد تصاعد الفاشية، والقتل والفتك بالإنسان ماديا ومعنويا، بدعاوي مختلفة، وتصاعد تيار القوميات الضيقة النابذة لا الموحدة.
وإذا كان العنوان يحمل كلمة الوجه مصاحبة للأثر الذي يخلفه في النفس، والصورة المكونة له لدى الذات، وعنها، فإن النص الأول “لذة الموت” يستثمر اللفظة في صورتها المزيفة، كون الوجه يحمل مساحيق يخفي بها حقيقته، ويواريها عن الأعين، بحيث تقدم صورة زائفة عنه، فالمنون متربصة به، تعكسها المرآة الفاضحة للزيف، والكاشفة لحقيقة الوجه المتخفي. وجه أكلته الأضواء بفعل الرقص على مسرح التعري؛ مسرح استغلال الإنسان، ومص كرامته، ونبذه حين تغرب شمس جماله. القصة نقد للرأسمالية التي حولت الإنسان بضاعة في سوق البيع والشراء، وحين يقل الإقبال، يتم رمي البضاعة من دون رحمة، ولذا، نجد الشخصية تسعى إلى وضع المساحيق حتى تبقى بضاعة مطلوبة، تستلذ بموتها. والغريب أن الشاعر غائب عن المشهد، لا يحير المرأة اهتماما، وحري به لو فعل أن يعيد لها إنسانيتها المهدورة.
وفي القصة تحضر المفارقة اللفظية للتعبر عن تجاوز الزمن للمرأة رغم المساحيق.
أما في قصة “فرعون” فتنتهي بتحنيط الشخصية ليس تبجلا بل تحقيرا لأنها فقدت فحولتها.
حضور الجانب الإنساني يتجلى من خلال الذات وهي تسخر من انتفاخ الآخر الذي لا يبني، فالفراعنة أشادوا الأهرامات، وغيرها من الصروح، أي من فرعون الإقصائي، كما ظهر في القرآن، الذي سعى إلى إلغاء المغاير والمختلف. لا يريد إلا وجهه، أما الوجه المختلف، فمبعد، بل مقصي، بل ممحو.
ونرى السارد ينتصر للحب في قصة “شيطان”ص 5، فجملة : جاء في تعليل حكم البراءة، ما يشي ضمنا بهذا الانحياز، لكونه انحيازا للجانب الإنساني فينا؛ فلا قيمة للإنسان من دون حب.
تعمق القصص كلها معنى الإنسانية المتجلية في معانقة الإنسان لأخيه الإنسان، وتركز على أهمية المحبة الإنسانية لإنقاذ العالم من الهاوية التي يسير إليها بفعل الاستغلال، والاستعباد، وبفعل الحروب المدمرة، واغتصاب الأرض، والإذلال، وتمريغ كرامة الآخر بدفوعات واهية تركز على سمو العرق الأبيض، وسمو ديانة على أخرى، وطائفة على أخرى.
المجموعة صرخة إنسانية ضد قبح العالم، ونداء إلى تخليصه من الكراهية والحقد قبل أن تحصل الكارثة، فينقرض الإنسان بفعل ما تجنيه يده وعقله ومشاعره السوداء.
هكذا نجد القاص ينتقد الاستغلال في قصة “حريم ” ص92، فالنساء يبعن جهدهن مقابل غبار يأكل أجسادهن وأرواحهن، ولا يستطعن بمدخولهن الهزيل التمتع ولو بالقليل من متع الحياة؛ فقد حرم عليهن، بفعل هذا الاستغلال المفرط لهن، من مباهج الحياة، حيث يعدن منهكات، ينمن بفعل الإنهاك بسرعة حتى يتمكن من الاستيقاظ باكرا للعودة إلى الأرض.. يعشن عملا متواصلا يقتل الجسد والروح لصالح نائم مستريح يجني من ورائهن أموالا يصرفها في متع الحياة. لنستحضر نساء الفراولة في الحقول الإسبانية.
ويواصل القاص نقده للظواهر الاقصائية، والحاطة من كرامة الإنسان، كما في قصة “لتسقط الأقنعة” ص34، حيث يسخر من المفارقة العجيبة بين إفريقية في وطنها، وبين أن تطلب بطاقة إقامة في ذلك الوطن، على اعتبار أن إفريقيا للأفارقة، فكيف يطلب منها ذلك الطلب النابذ للاحتواء؟
يرصد النص مظاهر النخاسة من صفع وشحاذة وسب تدل جميعها على الكراهية تجاه إفريقية في وطنها الإفريقي. كراهية تنبعث من وجوه مقنعة، زائفة، وقاسية.
ونقدا للممارسات العنصرية، نجده في قصة “عيد الحداد” ص30، يقف موقف الرفض للسياسة العنصرية التي ينتهجا المحتل تجاه أصحاب الأرض والحق فيها، وهو يصوب حقده لقتل الفلسطينيين. وما القتل إلا شهادة ترحب بها الأمهات، ويفرحن بها مطلقات زغاريد العيد. فالاستشهاد من اجل الوطن، وحريته وكرامته مطلب كل حر يرفض ضياع حقوقه المشروعة.
البعد الإنساني يخترق القصص جميعها، ويعبر عن إنسانيته، وحبه للغير، وإيمانه بضرورة حفظ عرضه ودمه وماله وحياته بالجملة.
توظيف الشخصيات:
يستدعي القاص عددا هائلا من الشخصيات، إنسانية وغير إنسانية، القادمة من حقول مختلفة ومتنوعة: الأساطير والأدب والدين من مثل: ابن عباد وابن عمار/ الملك لير وابنته كورديليا،غايا وكرونوس، فرعون،سيزيف،منيرفا، جيسون فور هيز،الإخوة لوميير،النبي يونس،سونيا في الجريمة والعقاب،مي زيادة والعقاد وخليل مطران وجبران، وشخصيات فيلم دوستي…يزرعها في حقل نصوصه لتنمو حاملة معها دلالتها القديمة ومغنية النصوص بدلالات أخرى جديدة.
وأغلبية قصص المجموعة تستحضر شخصية تراثية واحدة أو أكثر، مما يزيد في تعميق أبعادها، ويخدم الدلالة المرجوة، لكن بعض تلك الشخصيات قد تخلق عثرة بالنسبة للقارئ الملزم بالبحث عنها ومعرفة كيفية تشغيلها في النص. وتزداد الصعوبة حين يشتمل النص على أكثر من شخصية واحدة، ومن خارج ثقافته كما في قصة “فيلم دوستي.. الهندي”95، الذي يستحضر قصة الصداقة الصادقة بين شخصين مشردين في عالم قاس، وقصة بطلة الجريمة والعقاب ذات الروح الإنسانية، والخيط الذي يربط بينهما هو المعاناة وإهدار للكرامة في عالم تسوده قيم الاستهلاك والامتلاك.
فعدد النصوص التي تشغل الشخصيات التراثية يكاد يبلغ ثلاثين نصا.
ففي قصة “حريم السلطان” ص91، نجد شخصية الهدهد، المثقلة بالدلالات، تسخر من عبثية السلطان، وتزري بفعله. فالهدهد أقوى بفكرته لا بجسده، وبناء عليه، فمسعى السلطان الجائر بقص جناحي الطائر ووضعه في القفص هو مسعى بليد، إذ لا يمكن التحكم في الأفكار التي تملك قدرة الفعل والحركة والطيران. والحرية التي يسعى إلى التحكم فيها، هي من تلك الأفكار المحلقة دوما. يقول الهدهد ساخرا: غبي، الحرية فكرة تسكن الأذهان. ص91.
وبموجب ذلك، لا يمكن التحكم فيها.
أما في قصة “أسود ‘لى أبيض”31، فنجده يستدعي أمثالا مغربية دارجة، وهي: قطرة قطرة سيفيض النهر، وعلى مهل يؤكل الباذنجان. غير أن القاص يقوم بتعريبها مستحضرا القارئ العربي غير الملم باللغة المحكية المغربية. ولم يكن التناص هنا سوى ساخر، على اعتبار النتيجة التي آل إليها الوضع، حيث جاء في القفلة التالي: ظلت كسرة الخبز الأسود وحيدة ترقص على بياض المائدة. ص31، وقد استعمل السارد كلمات تعمق السخرية لا من الفقر بل من النتيجة التي تضاد النصين المستلهمين.
محاورة النصوص:
يقيم القاص في بعض قصصه حوارا مثمرا لا بغاية السخرية منه، بل من أجل توليد أجوبة معينة قد تكون منطلق أسئلة أخرى، الهدف منها الإغناء والإثراء، كما في قصة “شيطان” ص5، حيث يستحضر الحديث النبوي الشريف، والقائل:
ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان.
فحضور الشيطان قد رفع الخلوة إذ صار ثالثا وشاهدا، ومن ثم حكم عليه بالبراءة، لكن، ما القضاء الذي أصدر هذا الحكم؟ أهو قضاء إنساني أم قضاء ديني؟ لعل البراءة تحمل على الاعتقاد بانتصار القاص للحب، بما هو شعور إنساني رفيع. مع ملاحظة كون النص انتهى بكلمة القضاء متبوعة بنقطة، دون أن تتبع بالقدر، لنخلص أن القضاء المقصود غالبا هو القضاء الإنساني الذي يعترف بالحب، ويحكم لصالحه.
ولأن المجموعة لا تخاطب الذهن فقط، بل تخاطب العين أيضا، فقد وجدنا القاص يعرض قصصه على الصفحات بطرق مختلفة، فمرات تأتي على شكل قصيدة النثر على شكل عمودي متوالية الأسطر، أو أفقي مكتنز الكلمات حد اكتساح الصفحة.
فحين تأتي على شكل عمودي نراها تقيم جدلا حواريا مع البياض، مرة تضمر حتى لتكاد تغيب بفعل نحافتها الزائدة، لتنزوي أقصى اليمين، كما في قصة “الراقد” ص60. وأخرى تأتي مكتنزة كما في قصة “قرار” ص12. وثالثة تأتي جامعة بين الصورتين كما في قصة “غيمة سيزيف” ص32.
وما التنويع إلا مخاطبة العين ومنعها من السقوط في الرتابة والتكرار. تقدم لها قصصا بعروض متنوعة ومختلفة تريحها وتنعش تفاعلها معها.
ولا تنفلت الأفقية من قبضة قصيدة النثر هي الأخرى حيث تعتمد على المقاطع ونظام الفقرات كما في قصة “لتسقط الأقنعة” ص34. وقصة “دمية” ص37.
ومن المظاهر الشكلية المعتمدة في المجموعة، نظام التقطيع حيث تأتي الكلمات متفرقة، أو أن القصة بنفسها تأتي في صفحتين. وهو تقطيع دال، يصب في تقوية معنى القصص.
وعلى سبيل المثال، قصة “مت…قاعد” ص33 حيث تم تقطيع كلمة متقاعد إلى نصفين، لتعبر عن موت المتقاعد وهو قاعد، فالقصة بمجموع كلماتها وجملها تعبر عن المعاناة والألم، وتنتهي بتلك النهاية التي قوت معناها أي من خلال تقطيع الكلمة في العنوان، وتشتيتها في القفلة: م..ت..قاع..د.. !
وفي قصة “صاد، ياء، دال” ص10، فتفكيك حروف العنوان هو صياغة صورية للشبكة ذات العيون، ولبيت العنكبوت كبيت ضعيف ومفكك، ضعف الحروف المفككة.
وتفريق الحروف أو تشتيتها نجده في الصفحات التالية 10 و 21 و33 و39 و 63 و77 و83، وهو ما يؤكد على انه اختيار فني وجمالي، وبعيد عن الاعتباطية. ففي قصة “دخان السدى” ص39 نجد كلمة “قطرات” مفككة ومكتوبة حروفها بشكل عمودي يوحي بتساقط تلك القطرات. فالقاص يتعمد جعل القارئ يحس ويرى التساقط وكأن المشهد يجري أمامه.
كما أن بعض القصص قد جاءت مقسمة قسمين؛ قسم بصفحة، والثاني بالصفحة الموالية، وكأنه مكون من نصين، ينبغي على القارئ القبض عن الخيط الرابط بينهما، علما أن الصفحة الأولى تستطيع أن تحتوي الجزء الثاني، كما هو الشأن مع القصص التالية: “محو” ص16، و”أحلام” ص48، و”…فن” ص84..
واعتمادا على السابق، يمكن القول إن القاص كان مهتما بالجانب الفكري وبالجانب الفني معا، ولم يقم بتغليب أحدها على الآخر، فقد اعتمد في الغالب على الموازنة بينهما بغاية تحقيق المتعة الأدبية والجمالية.
وفي الأخير، لابد من الإشارة إلى أن القصص تعتمد الترميز كثيرا، لذا، ينبغي الوقوف عند كل جملة لفهمها قبل الانتقال إلى الجملة التالية بلوغا إلى النهاية والقبض على الدلالة النصية المحتملة.
لنأخذ قصة “في الحاجة لمفتاح صول” ص13، هذه القصة التي استثمرت الموسيقى لتحقيق أهدافها، فنجد أنها مشكلة من أربع جمل، وهي: 1_أسألني على وتر العمر، حيث الكلام عن الذات بعرض مساحة حياتها لتأملها، وتأمل ما حققته، و2_ نزّت عي الناي على مقام الصبا، حيث فعل انهمار ما اكتنزته تلك الذات من هموم وأحزان طفحت فانهمرت بقوة من عيني الناي، أي عين الذات المكلومة، ففاضت حزنا شديدا، لأن مقام الصبا، مقام الحزن بامتياز.
وتنتهي القصة بالجملة التالية: و3_ وحدها تقاسيم الوجه تتلاعب بي بين أبعاد المقام الطبقي. حيث نجد كلمة الوجه التي تتصدر عنوان المجموعة، وهي تعبير عن الإنسان وهو يتحمل مسؤوليته الأخلاقية تجاه ذاته وتجاه الآخر الإنساني في عالم يخلو من العدل والمساواة، والمقام الطبقي، حيث يتم نسج وشيجة جميلة بين المقام الموسيقي والطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها الذات المجروحة.
وتلك الجملة تلقي بضوء ساطع على أسباب حزن هذه الذات، وأسباب نزفها.
هكذا، يتبين أن مجمل قصص العمل، منسوجة بإحكام، وأن كل جملة تحمل دلالة تعاضد بقية دلالات الجمل التي تتبعها وصولا إلى الدلالة النهائية التي سيصوغها القارئ اعتمادا على ما توصل إليه وما راكمه من معاني أثناء تتبعه لتلك الجمل.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.