مسلسل “المكتوب” وتدبير النقاش

بقلم: إبراهيم أقنسوس

مبدئيا، تعتبر إثارة النقاش واحتدامه مسألة صحية ومؤشرا دالا على وجود حيوات داخل المجتمع تتفاعل وتتلاقى، وأفكار تختلف وتتضارب، وتعبر عن وجهات نظرها المتعددة حول مجمل القضايا التي تهم المواطنين بمختلف مشاربهم الفكرية ومستوياتهم الاجتماعية، والطريق العادي الذي تختاره المجتمعات الحية والديمقراطية غالبا هو تشجيع النقاش وتدبير أشكال الاختلاف الذي يصدر عن المجتمع، عبر أفراده وهيئاته المختلفة، بما يساهم في تعزيز مجتمع الحرية والمواطنة، وهذا ليس بالأمر الهين أو اليسير.. فما أصعب تدبير الاختلاف وما أشق توفير أجواء الإنصات الجيد لكل التعبيرات الثقافية، وغير الثقافية، لاسيما داخل مجتمع تنخره الأمية بكل أشكالها بما فيها الأمية الثقافية، ويعاني من الأعطاب البنيوية التي تمس معظم الاتجاهات والأسس التي تهم بناء المجتمع.

لذلك تسهل ملاحظة وتفهم هذا الميل إلى استسهال الكلام من قبل الكثير من المتحدثين، وهذا الإطناب العاطفي وغير المجدي، وهذا التسرع في مواجهة المخالفين بمنطق يقوم على قراءة النوايا، وإثارة النعرات والاصطفافات، الدينية والثقافية والسياسية، وما إليها، يؤثر سلبا على مجريات النقاش ويفرغ الكلام من قيمته ومضمونه، ولعل ما أثير حول المسلسل التلفزيوني “المكتوب”، يصلح نموذجا في هذا الباب، إذ سرعان ما اشتغل منطق التصنيفات والتوصيفات، سواء من قبل بعض الذين هاجموا المسلسل، دون الاطلاع عليه، باسم حماية التدين والأخلاق، أو من طرف من رفضوا هذا اللون من النقد الذي ووجه به المسلسل، وصادروا حق بعض المواطنين في التعبير عن آرائهم، فأصبحنا أمام جهتين، حتى لا نقول رأيين، كل واحدة تعتبر الأخرى متطرفة، إما دينيا، أو لا دينيا، وفي مغبة هذا النوع من التفاعل السلبي، الذي يحتمي بالعواطف المجنحة، يرتفع منطق النقاش العلمي الهادئ والرصين، وتغيب أدبيات الحوار الجاد، حيث يسعى كل طرف إلى إسقاط اختيارات الطرف الآخر، وينسى كل هؤلاء جميعا أنهم إنما يمثلون جزء من هذا المجتمع الذي يعج بالآراء ووجهات النظر، العالمة وغير العالمة، الهادئة والقلقة، التي يجب أن تتفاعل جميعها وتتلاقح وتتبادل المقاربات، بما يؤدي باستمرار إلى بلورة منظورات جديدة، وامتلاك آراء متجددة تواكب حركية التاريخ وحركية الفكر والإبداع معا.

Advertisements

فما هي القضايا التي يناقشها مسلسل “المكتوب”؟ وما هي رهاناته الفنية والتربوية والثقافية.. إذا افترضنا أن هناك رهانات محددة؟ وماذا يمثل موضوع “الشيخة” ضمنها؟ ومن هي “الشيخة” من المنظور الفني والثقافي ثم من منظورنا الاجتماعي؟ وإلى أي حد تمكن سيناريو المسلسل من تقديم صورة مقنعة فنيا تجيب عن مجمل هذه الأسئلة وغيرها؟ وما مدى نجاح المخرج بمعية الممثلين، في عرض كل ذلك أمام المشاهدين وعلى إحدى قنواتهم الوطنية؟

يبدو أن حاجتنا كبيرة إلى تعلم أدبيات ومسارات النقاش الثقافي، المفيد والمثمر، الذي يعرف ما يريد ويتجه إلى الأساس ويدفع بكل أفراد المجتمع وأطيافه إلى امتلاك وجهة رأي ونظر تتطور وتتعمق مع الأيام.. فكما أنه لا يمكن الحديث عن “علم” دون الإحاطة به، ولا يمكن مناقشة شريط أو مسلسل دون مشاهدته، وامتلاك الحد المعقول من أدوات مقاربته، الثقافية والفنية، فكذلك لا يمكن مصادرة حق عامة المواطنين في التعبير عن آرائهم، وأشكال تفاعلهم مع المسلسل على اختلافها وتباين وجهاتها ومستوياتها، وأخطائها أيضا، فهذه ضريبة الممارسة الديمقراطية، وإحدى حسناتها أيضا، فإذا كان الجهل يقتل، فإن الصمت أيضا يقتل، ويبقى الحل الأسلم والأصعب معا، هو الترحيب بكل الآراء، والإنصات إليها جميعا، ثم النجاح في تدبيرها جميعا، والبقاء في النهاية – طبعا – يكون للأصح والأفيد والأقدر على الإقناع.

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.